(٥) سورة المائدة مدنيّة
وآياتها عشرون ومائة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
نزل هذا القرآن الكريم على قلب رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لينشىء به أمة ؛ وليقيم به دولة ؛ ولينظم به مجتمعا ؛ وليربي به ضمائر وأخلاقا وعقولا ؛ وليحدد به روابط ذلك المجتمع ؛ فيما بينه ؛ وروابط تلك الدولة مع سائر الدول ؛ وعلاقات تلك الأمة بشتى الأمم .. وليربط ذلك كله برباط قوي واحد ، يجمع متفرقه ، ويؤلف أجزاءه ، ويشدها كلها إلى مصدر واحد ، وإلى سلطان واحد ، وإلى جهة واحدة .. وذلك هو الدين ، كما هو في حقيقته عند الله ؛ وكما عرفه المسلمون. أيام أن كانوا «مسلمين»!
ومن ثم نجد في هذه السورة ـ كما وجدنا في السور الثلاث الطوال قبلها ـ موضوعات شتى ؛ الرابط بينها جميعا هو هذا الهدف الأصيل الذي جاء القرآن كله لتحقيقه : إنشاء أمة ، وإقامة دولة ، وتنظيم مجتمع ؛ على أساس من عقيدة خاصة ، وتصور معين ، وبناء جديد .. الأصل فيه إفراد الله ـ سبحانه ـ بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان ؛ وتلقي منهج الحياة وشريعتها ونظامها وموازينها وقيمها منه وحده بلا شريك ..
وكذلك نجد بناء التصور الاعتقادي وتوضيحه وتخليصه من أساطير الوثنية ، وانحرافات أهل الكتاب وتحريفاتهم .. إلى جانب تبصير الجماعة المسلمة بحقيقة ذاتها وحقيقة دورها ، وطبيعة طريقها وما في هذا الطريق من مزالق وأشواك ، وشباك يرصدها لها أعداؤها وأعداء هذا الدين .. إلى جانب أحكام الشعائر التعبدية التي تطهر روح الفرد المسلم وروح الجماعة المسلمة ؛ وتربطها بربها. إلى جانب التشريعات الاجتماعية التي تنظم روابط مجتمعها ؛ والتشريعات الدولية التي تنظم علاقاتها بغيرها .. إلى جانب التشريعات التي تحلل وتحرم ألوانا من المآكل والمشارب والمناكح ؛ أو ألوانا من الأعمال والمسالك .. كل ذلك حزمة واحدة في السورة الواحدة يمثل معنى «الدين» كما أراده الله وكما فهمه المسلمون. أيام أن كانوا مسلمين.
على أن السياق القرآني ـ كما يبدو في هذه السورة وكما رأيناه في سورتي آل عمران والنساء من قبل لا يكتفي بهذا المعنى الضمني المستفاد من سوق هذه الموضوعات كلها في اطار سورة واحدة ؛ وسوقها كذلك في شتى سور القرآن المتفرقة التي تؤلف هذا الكتاب ؛ وتمثل المنهج الرباني الذي يتضمنه .. لا يكتفي السياق القرآني هنا بهذا المعنى الضمني ؛ إنما ينص عليه نصا ؛ ويؤكده تأكيدا ؛ ويتكىء عليه اتكاء شديدا وهو ينص على أن هذا كله هو «الدين» ؛ وأن الإقرار به كله هو «الإيمان» ؛ وأن الحكم به كله «هو الإسلام» .. وأن الذين لا يحكمون بما أنزل الله هم الكافرون. الظالمون. الفاسقون .. وأنهم ـ إذن ـ يبتغون حكم الجاهلية ولا يبتغي حكم الجاهلية المؤمنون المسلمون.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
