شأنه في هذا شأن بقية الرسل. شأن نوح وإبراهيم وموسى ومحمد ، وبقية الرهط الكريم من عباد الله المختارين للرسالة على مدار الزمان ..
(وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ)
وأقرب تفسير لهذه العبارة ، أنه سبحانه ، خلق عيسى بالأمر الكوني المباشر ، الذي يقول عنه في مواضع شتى من القرآن : إنه (كُنْ فَيَكُونُ) .. فلقد ألقى هذه الكلمة إلى مريم فخلق عيسى في بطنها من غير نطفة أب ـ كما هو المألوف في حياة البشر غير آدم ـ والكلمة التي تخلق كل شيء من العدم ، لا عجب في أن تخلق عيسى ـ عليهالسلام ـ في بطن مريم من النفخة التي يعبر عنها بقوله :
(وَرُوحٌ مِنْهُ) ..
وقد نفخ الله في طينة آدم من قبل من روحه. فكان «إنسانا» .. كما يقول الله تعالى : (إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) .. وكذلك قال في قصة عيسى : (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا) .. فالأمر له سابقة .. والروح هنا هو الروح هناك .. ولم يقل أحد من أهل الكتاب ـ وهم يؤمنون بقصة آدم والنفخة فيه من روح الله ـ إن آدم إله ، ولا أقنوم من أقانيم الإله. كما قالوا عن عيسى ؛ مع تشابه الحال ـ من حيث قضية الروح والنفخة ومن حيث الخلقة كذلك. بل إن آدم خلق من غير أب وأم : وعيسى خلق مع وجود أم .. وكذلك قال الله : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ..
ويعجب الإنسان ـ وهو يرى وضوح القضية وبساطتها ـ من فعل الهوى ورواسب الوثنية التي عقدت قضية عيسى عليهالسلام هذا التعقيد كله ، في أذهان أجيال وأجيال وهي ـ كما يصورها القرآن ـ بسيطة بسيطة ، وواضحة مكشوفة.
إن الذي وهب لآدم .. من غير أبوين .. حياة إنسانية متميزة عن حياة سائر الخلائق بنفخة من روحه ، لهو الذي وهب عيسى .. من غير أب .. هذه الحياة الإنسانية كذلك .. وهذا الكلام البسيط الواضح أولى من تلك الأساطير التي لا تنتهي عن ألوهية المسيح ، لمجرد أنه جاء من غير أب. وعن ألوهية الأقانيم الثلاثة كذلك! .. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا :
(فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ. وَلا تَقُولُوا : ثَلاثَةٌ. انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ) ..
وهذه الدعوة للإيمان بالله ورسله ـ ومن بينهم عيسى بوصفه رسولا ، ومحمد بوصفه خاتم النبيين ـ والانتهاء عن تلك الدعاوى والأساطير ، تجيء في وقتها المناسب بعد هذا البيان الكاشف والتقرير المريح ..
(إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ) .. تشهد بهذا وحدة الناموس .. ووحدة الخلق. ووحدة الطريقة : كن .. فيكون .. ويشهد بذلك العقل البشري ذاته. فالقضية في حدود إدراكه. فالعقل لا يتصور خالقا يشبه مخلوقاته ، ولا ثلاثة في واحد. ولا واحدا في ثلاثة :
(سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) ..
والولادة امتداد للفاني ومحاولة للبقاء في صورة النسل .. والله الباقي غني عن الامتداد في صورة الفانين ؛ وكل ما في السماوات وما في الأرض ملك له سبحانه على استواء :
(لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
