وتشرد بعيدا عن أيدي السلطات الرومانية!
وما تزال فكرة «التثليث» تصدم عقول المثقفين من النصارى ، فيحاول رجال الكنيسة أن يجعلوها مقبولة لهم بشتى الطرق ، ومن بينها الإحالة إلى مجهولات لا ينكشف سرها للبشر إلا يوم ينكشف الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض!
يقول القس بوطر صاحب رسالة : «الأصول والفروع» أحد شراح العقيدة النصرانية ، في هذه القضية : «قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا. ونرجو أن نفهمه فهما أكثر جلاء في المستقبل ، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات والأرض» (١).
ولا نريد هنا أن ندخل في سرد تاريخي للأطوار وللطريقة التي تسللت بها هذه الفكرة إلى النصرانية. وهي إحدى ديانات التوحيد الأساسية. فنكتفي باستعراض الآيات القرآنية الواردة في سياق هذه السورة ، لتصحيح هذه الفكرة الدخيلة على ديانة التوحيد!
* * *
(يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ، وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ. إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ، وَرُوحٌ مِنْهُ. فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ، وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ. انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ. إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ. سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً) ..
فهو الغلو إذن وتجاوز الحد والحق ، هو ما يدعو أهل الكتاب هؤلاء إلى أن يقولوا على الله غير الحق ؛ فيزعموا له ولدا ـ سبحانه ـ كما يزعمون أن الله الواحد ثلاثة ..
وقد تطورت عندهم فكرة البنوة ، وفكرة التثليث ، حسب رقي التفكير وانحطاطه. ولكنهم قد اضطروا أمام الاشمئزاز الفطري من نسبة الولد لله ، والذي تزيده الثقافة العقلية ، أن يفسروا البنوة بأنها ليست عن ولادة كولادة البشر. ولكن عن «المحبة» بين الآب والابن. وأن يفسروا الإله الواحد في ثلاثة .. بأنها «صفات» لله سبحانه في «حالات» مختلفة .. وإن كانوا ما يزالون غير قادرين على إدخال هذه التصورات المتناقضة إلى الإدراك البشري. فهم يحيلونها إلى معميات غيبية لا تنكشف إلا بانكشاف حجاب السماوات والأرض.
والله ـ سبحانه ـ تعالى عن الشركة ؛ وتعالى عن المشابهة. ومقتضى كونه خالقا يستتبع .. بذاته .. أن يكون غير الخلق. وما يملك إدراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والخلق. والمالك والملك .. وإلى هذا يشير النص القرآني :
(إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ. سُبْحانَهُ! أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ؟ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ..)
وإذا كان مولد عيسى ـ عليهالسلام ـ من غير أب عجيبا في عرف البشر ، خارقا لما ألفوه ، فهذا العجب إنما تنشئه مخالفة المألوف. والمألوف للبشر ليس هو كل الموجود. والقوانين الكونية التي يعرفونها ليست هي كل سنة الله. والله يخلق السنة ويجريها ، ويصرفها حسب مشيئته. ولا حد لمشيئته.
والله ـ سبحانه ـ يقول ـ وقوله الحق ـ في المسيح :
(إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، رَسُولُ اللهِ ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ، وَرُوحٌ مِنْهُ) ..
فهو على وجه القصد والتحديد : «رسول الله» ..
__________________
(١) نقلا عن كتاب : «محاضرات في النصرانية» للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
