وهو إيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله. يربطهم بالمنهج الذي اختاره الله لحياتهم وبينه لهم في هذا الكتاب ؛ والأخذ بكل ما فيه ، بما أن مصدره واحد ، وطريقه واحد ؛ وليس بعضه بأحق من بعضه بالتلقي والقبول والطاعة والتنفيذ.
وهو إيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل. بما أن مصدر الكتب كلها واحد هو الله ؛ وأساسها كذلك واحد هو إسلام الوجه لله ؛ وإفراد الله سبحانه بالألوهية ـ بكل خصائصها ـ والإقرار بأن منهج الله وحده هو الذي تجب طاعته وتنفيذه في الحياة .. وهذه الوحدة هي المقتضى الطبيعي البديهي لكون هذه الكتب ـ قبل تحريفها ـ صادرة كلها عن الله. ومنهج الله واحد ، وإرادته بالبشر واحدة ، وسبيله واحد ، تتفرق السبل من حولها وهي مستقيمة إليه واصلة.
والإيمان بالكتاب كله ـ بوصف أن الكتب كلها كتاب واحد في الحقيقة ـ هو السمة التي تنفرد بها هذه الأمة المسلمة. لأن تصورها لربها الواحد ، ومنهجه الواحد ، وطريقه الواحد ، هو التصور الذي يستقيم مع حقيقة الألوهية. ويستقيم مع وحدة البشرية. ويستقيم مع وحدة الحق الذي لا يتعدد .. والذي ليس وراءه إلّا الضلال (فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ؟).
وبعد الأمر بالإيمان ، يجيء التهديد على الكفر بعناصر الإيمان ، مع التفصيل فيها في موضع البيان قبل العقاب : (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ ، وَمَلائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) ..
وقد ذكر في الأمر الأول الإيمان بالله وكتبه ورسله. ولم يذكر الملائكة. وكتب الله تتضمن ذكر الملائكة وذكر اليوم الآخر ، ومن مقتضى الإيمان بهذه الكتب الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر. ولكنه يبرزها هنا ، لأنه موطن الوعيد والتهديد ، الذي يبين فيه كل عنصر على التحديد.
والتعبير بالضلال البعيد غالبا يحمل معنى الإبعاد في الضلال ، الذي لا يرجى معه هدى ؛ ولا يرتقب بعده مآب!
والذي يكفر بالله الذي تؤمن به الفطرة في أعماقها كحركة ذاتية منها واتجاه طبيعي فيها ، ويكفر بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، استمدادا من كفره بالحقيقة الأولى .. الذي يكفر هذا الكفر تكون فطرته قد بلغت من الفساد والتعطل والخراب ، الحد الذي لا يرجى معه هدى ؛ ولا يرتقب بعده مآب!
* * *
وبعد هذين النداءين للذين آمنوا يأخذ السياق في الحملة على النفاق والمنافقين. ويبدأ بوصف حالة من حالاتهم الواقعة حينذاك ، تمثل موقف بعضهم ، وهو أقرب المواقف إلى الحديث عن الكفر والكفار :
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا. ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا. ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً. لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ، وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) ..
إن الكفر الذي يسبق الإيمان يغفره الإيمان ويمحوه. فالذي لم يشهد النور معذور إذا هو أدلج في الظلام .. فأما الكفر بعد الإيمان مرة ومرة .. فهو الكبيرة التي لا مغفرة لها ولا معذرة .. إن الكفر حجاب فمتى سقط فقد اتصلت الفطرة بالخالق. واتصل الشارد بالركب. واتصلت النبتة بالنبع. وذاتت الروح تلك الحلاوة التي لا تنسى .. حلاوة الإيمان .. فالذين يرتدون بعد الإيمان مرة ومرة ، إنما يفترون على الفطرة ، عن معرفة. ويلجون في الغواية عن عمد. ويذهبون مختارين إلى التيه الشارد والضلال البعيد ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
