ولأنتم والله أبغض إليّ من أعدادكم من القردة والخنازير. وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم ، على أن لا أعدل فيكم» .. فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض!
لقد كان ـ رضي الله عنه ـ قد تخرج في مدرسة الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ على المنهج الرباني المنفرد. وكان إنسانا من البشر خاض هذه التجربة الشاقة ونجح ؛ وحقق ـ كما حقق الكثيرون غيره في ظل ذلك المنهج ـ تلك المعجزة التي لا تقع إلا في ظل ذلك المنهج!
ولقد مضت القرون تلو القرون بعد تلك الفترة العجيبة ؛ وحفلت المكتبات بكتب الفقه والقانون ؛ وحفلت الحياة بالتنظيمات والتشكيلات القضائية ؛ وضبط الإجراءات والشكليات التنظيمية. وامتلأت الرؤوس بالكلام عن العدالة ؛ وامتلأت الأفواه بالحديث عن إجراءاتها الطويلة .. ووجدت نظريات وهيئات وتشكيلات منوعة لضبط هذا كله ..
ولكن التذوق الحقيقي لمعنى العدالة ؛ والتحقق الواقعي لهذا المعنى في ضمائر الناس وفي حياتهم ؛ والوصول إلى هذه الذروة السامقة الوضيئة .. لم يقع إلا في ذلك المنهج .. في تلك الفترة العجيبة في ذروة القمة .. وبعدها على مدار التاريخ في الأرض التي قام فيها الإسلام. وفي القلوب التي عمرت بهذه العقيدة. وفي الجماعات والأفراد التي تخرجت على هذا المنهج الفريد.
وهذه حقيقة ينبغي أن يتنبه إليها الذين يؤخذون بالتشكيلات القضائية التي جدت ؛ وبالإجراءات القضائية التي استحدثت ؛ وبالأنظمة والأوضاع القضائية التي نمت وتعقدت. فيحسبون أن هذا كله أقمن بتحقيق العدالة وأضمن مما كان في تلك الإجراءات البسيطة في تلك الفترة الفريدة! في تلك القرون البعيدة! وأن الأمور اليوم أضبط وأحكم مما كانت على صورتها البسيطة!
هذا وهم تنشئه الأشكال والأحجام في تصورات من لا يدركون حقائق الأشياء والأوضاع .. إن المنهج الرباني وحده هو الذي يبلغ بالناس ما بلغ على بساطة الأشكال وبساطة الأوضاع .. وهو وحده الذي يمكن أن يبلغ بالناس هذا المستوي على ما استحدث من الأشكال والأوضاع!
وليس معنى هذا أن نلغي التنظيمات القضائية الجديدة. ولكن معناه أن نعرف أن القيمة ليست للتنظيمات. ولكن للروح التي وراءها. أيا كان شكلها وحجمها وزمانها ومكانها .. والفضل للأفضل بغض النظر عن الزمان والمكان!!!
* * *
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ، وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ ، وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ .. وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .. فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) ..
إنه النداء الثاني للذين آمنوا. بصفتهم هذه التي تفردهم من الجاهلية حولهم. وتحدد وظيفتهم وتكاليفهم. وتصلهم بالمصدر الذي يستمدون منه القوة والعون على هذه التكاليف!
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ، وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ ، وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) ..
فهو بيان لعناصر الإيمان التي يجب أن يؤمن بها الذين آمنوا. بيان للتصور الإسلامي الاعتقادي :
فهو إيمان بالله ورسوله. يصل قلوب المؤمنين بربهم الذي خلقهم ، وأرسل إليهم من يهديهم إليه ، وهو الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وإيمان برسالة الرسول وتصديقه في كل ما ينقله لهم عن ربهم الذي أرسله.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
