على المؤمنين سبيلا ، وذلك مع رسم الصور البشعة للمنافقين في الدنيا وفي الآخرة. وتقرير أن مكانهم في الدرك الأسفل من النار.
وهذه التوجيهات والتحذيرات ـ بهذا الأسلوب ـ تشي بطريقة المنهج في علاج النفوس والأوضاع ؛ وتغيير الواقع في حدود الطاقة والملابسات القائمة كذلك ، حتى ينتهي إلى تغييره نهائيا ؛ وإقامة «واقع» آخر جديد. كما تشي بحالة الجماعة المسلمة حينذاك وموقفها من جبهة الكفر وجبهة النفاق المتعاونتين في حرب الجماعة المسلمة والدين الجديد.
ومن خلال هذه وتلك تتبين طبيعة المعركة التي كان القرآن يخوض بها الجماعة المسلمة ، وطبيعة الأساليب المنهجية في قيادته للمعركة وللنفوس .. وهي المعركة الدائمة المتصلة بين الإسلام والجاهلية في كل زمان وكل مكان. وبين الجماعة المسلمة وأعدائها الذين تتغير أشخاصهم ووسائلهم ولكن لا تتغير طبيعتهم ومبادئهم.
ومن خلال هذا كله تبرز حقيقة هذا الكتاب .. القرآن .. ودوره في قيادة الأمة المسلمة. ليس بالأمس فقط ـ فما جاء ليقود جيلا دون جيل. إنما جاء ليقود هذه الأمة ، وليكون مرشدها وهاديها ، في جميع الأجيال والدهور ..
وفي نهاية الدرس تجيء تلك اللفتة العجيبة إلى استغناء الله ـ سبحانه ـ عن تعذيب العباد .. فهو لا يطلب منهم إلا أن يؤمنوا ويشكروا. وهو سبحانه غني عن إيمانهم وشكرهم. ولكن ذلك إنما هو لصلاح حالهم ، وارتقاء مستواهم ؛ حتى يتأهلوا لحياة الآخرة ، ومستوى النعيم في الجنة. فإذا هم ارتكسوا وانتكسوا فإنما يؤهلون أنفسهم لمستوى العذاب في الجحيم. حيث يسقط المنافقون إلى أحط الدركات (فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) ..
* * *
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ـ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ـ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما ؛ فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا. وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) ..
إنه نداء للذين آمنوا. نداء لهم بصفتهم الجديدة. وهي صفتهم الفريدة. صفتهم التي بها أنشئوا نشأة أخرى ؛ وولدوا ميلادا آخر. ولدت أرواحهم ، وولدت تصوراتهم ، وولدت مبادئهم وأهدافهم ، وولدت معهم المهمة الجديدة التي تناط بهم ، والأمانة العظيمة التي وكلت إليهم .. أمانة القوامة على البشرية ، والحكم بين الناس بالعدل .. ومن ثم كان للنداء بهذه الصفة قيمته وكان له معناه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ...) فبسبب من اتصافهم بهذه الصفة ، كان التكليف بهذه الأمانة الكبرى. وبسبب من اتصافهم بهذه الصفة كان التهيؤ والاستعداد للنهوض بهذه الأمانة الكبرى ..
وهي لمسة من لمسات المنهج التربوي الحكيم ؛ تسبق التكليف الشاق الثقيل :
(كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ، شُهَداءَ لِلَّهِ ـ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ. إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما) ..
إنها أمانة القيام بالقسط .. بالقسط على إطلاقه. في كل حال وفي كل مجال. القسط الذي يمنع البغي والظلم ـ في الأرض ـ والذي يكفل العدل ـ بين الناس ـ والذي يعطي كل ذي حق حقه من المسلمين وغير المسلمين .. ففي هذا الحق يتساوى عند الله المؤمنون وغير المؤمنين ـ كما رأينا في قصة اليهودي ـ ويتساوى الأقارب والأباعد. ويتساوى الأصدقاء والأعداء. ويتساوى الأغنياء والفقراء ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
