كذلك ـ في الوقت ذاته ـ ترتسم فيها حال الجماعة المسلمة الأولى ، المخاطبة بهذا القرآن ؛ وتبرز من بين السطور صورة لهذه الجماعة إذ ذاك ـ كما هي ـ بكل ما فيها من بشرية. وبكل ما في بشريتها من ضعف وقوة ؛ ومن رواسب جاهلية ومشاعر فطرية .. وتبرز كذلك طريقة المنهج في علاجها وتقويتها وتثبيتها على الحق الذي تمثلة ؛ بكل ما في وقفتها مع الحق من جهد وتضحية.
ويبدأ الدرس بنداء الجماعة المؤمنة إلى النهوض بتكاليف دورها ، في إقامة العدل بين الناس على النحو الفريد الذي لم يقم إلا على يد هذه الجماعة ـ العدل الذي تتعامل فيه الجماعة مع الله مباشرة ؛ متخلصة من كل عاطفة أو هوى أو مصلحة ـ بما في ذلك ما يسمى مصلحة الجماعة أو الأمة أو الدولة! ـ متجردة من كل اعتبار آخر غير تقوى الله ومرضاته .. العدل الذي رأينا نموذجا منه في الدرس العملي الذي ألقاه الله ـ سبحانه ـ بذاته العلية على النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وعلى الجماعة المسلمة في حادث اليهودي الذي سلف ذكره.
يبدأ الدرس بنداء الذين آمنوا ليقيموا هذا العدل .. بصورته هذه .. ومنزّل هذا القرآن يعلم حقيقة المجاهدة الشاقة ، التي تتكلفها إقامة العدل على هذا النحو. وفي النفس البشرية ضعفها المعروف ، وعواطفها تجاه ذاتها وتجاه الأقارب ؛ وتجاه الضعاف من المتقاضين وتجاه الأقوياء أيضا. تجاه الوالدين والأقربين ، وتجاه الفقير والغني ؛ تجاه المودة وتجاه الشنآن .. ويعلم أن التجرد من هذا كله يحتاج إلى جهاد شاق. جهاد للصعود إلى هذه القمة على سفوح ملساء! لا تتعلق فيها النفس بشيء إلا بحبل الله.
ثم يدعوهم دعوة ثانية إلى الإيمان بعناصر الإيمان الشامل. بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ولكل عنصر من هذه العناصر قيمته في تكوين العقيدة الإيمانية ؛ وقيمته في تكوين التصور الإسلامي ، المتفوق على جميع التصورات الأخرى ، التي عرفتها البشرية ـ قبل الإسلام وبعده ـ وهو ذاته التفوق الذي انبعث منه كل تفوق آخر أخلاقي أو اجتماعي أو تنظيمي ، في حياة الجماعة المسلمة الأولى. والذي يحمل عنصر التفوق دائما لكل جماعة تؤمن به حقا وتعمل بمقتضياته كاملة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. حيث تحق كلمة الله ـ في هذا الدرس نفسه ـ (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) ..
وبعد هذين النداءين يأخذ السياق في حملة منوعة الأساليب على المنافقين ـ من بقي منهم على حالة النفاق ، ومن أعلن كفره بعد إعلان إسلامه ـ حملة يصور فيها طبيعة المنافقين ، ويرسم لهم فيها صورا زرية ، من واقع ما يقومون به في الصف المسلم ؛ ومن واقع مواقفهم المتلونة حسب الظروف. وهم يلقون المسلمين ـ إذا انتصروا ـ بالملق والنفاق. ويلقون الذين كفروا ـ إذا انتصروا كذلك ـ بدعواهم أنهم سبب انتصارهم! وهم يقومون للصلاة كسالى يراءون الناس. وهم مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وترد في ثنايا هذه الحملة توجيهات للمؤمنين وتحذيرات. تدل على مدى ما كان لأفاعيل المنافقين في الصف المسلم ـ حينذاك ـ من آثار ، وعلى مدى ضخامة الجبهة المنافقة وتغلغلها في حياة الجماعة المسلمة ؛ مما استدعى هذه الحملة ، مع مراعاة «الواقع» يومئذ ، وأخذ المسلمين خطوة خطوة في الابتعاد عن المنافقين واجتنابهم. من ذلك أمرهم باجتناب مجالس المنافقين التي يتداولون فيها الكفر بآيات الله والاستهزاء بها. ولم يأمرهم ـ حينذاك ـ بمقاطعة المنافقين البتة. مما يدل على أن جبهة النفاق كانت ضخمة ومتغلغلة بصورة يصعب فيها على المسلمين مقاطعتهم!
كذلك ترد في ثناياها تحذيرات للمسلمين من سمات النفاق ومقدماته ؛ كي لا يقعوا فيها. وأخصها موالاة الكافرين ، وابتغاء العزة عندهم ، والقوة بهم! وتأمينهم بأن العزة لله جميعا ، وبأن الله لن يجعل للكافرين
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
