يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)(١١٣)
هذه الآيات تحكي قصة لا تعرف لها الأرض نظيرا ، ولا تعرف لها البشرية شبيها .. وتشهد ـ وحدها ـ بأن هذا القرآن وهذا الدين لا بد أن يكون من عند الله ؛ لأن البشر ـ مهما ارتفع تصورهم ، ومهما صفت أرواحهم ، ومهما استقامت طبائعهم ـ لا يمكن أن يرتفعوا ـ بأنفسهم ـ إلى هذا المستوي الذي تشير إليه هذه الآيات ؛ إلا بوحي من الله .. هذا المستوي الذي يرسم خطا على الأفق لم تصعد إليه البشرية ـ إلا في ظل هذا المنهج ـ ولا تملك الصعود إليه أبدا إلا في ظل هذا المنهج كذلك!
إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة ، التي تحويها جعبتهم اللئيمة ، على الإسلام والمسلمين ؛ والتي حكت هذه السورة وسورة البقرة وسورة آل عمران جانبا منها ومن فعلها في الصف المسلم ..
في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب ؛ ويؤلبون المشركين ؛ ويشجعون المنافقين ، ويرسمون لهم الطريق ؛ ويطلقون الإشاعات ؛ ويظللون العقول ؛ ويطعنون في القيادة النبوية ، ويشككون في الوحي والرسالة ؛ ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل ، في الوقت الذي يؤلبون عليه خصومه ليهاجموه من الخارج .. والإسلام ناشىء في المدينة ، ورواسب الجاهلية ما يزال لها آثارها في النفوس ؛ ووشائج القربي والمصلحة بين بعض المسلمين وبعض المشركين والمنافقين واليهود أنفسهم ، تمثل خطرا حقيقا على تماسك الصف المسلم وتناسقه ..
في هذا الوقت الحرج ، الخطر ، الشديد الخطورة .. كانت هذه الآيات كلها تتنزل ، على رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وعلى الجماعة المسلمة ، لتنصف رجلا يهوديا ، اتهم ظلما بسرقة ؛ ولتدين الذين تآمروا على اتهامه ، وهم بيت من الأنصار في المدينة. والأنصار يومئذ هم عدة الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وجنده ، في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله ، ومن حول الرسالة والدين والعقيدة الجديدة ...!
أي مستوى هذا من النظافة والعدالة والتسامي! ثم أي كلام يمكن أن يرتفع ليصف هذا المستوي؟ وكل كلام ، وكل تعليق ، وكل تعقيب ، يتهاوى دون هذه القمة السامقة ؛ التي لا يبلغها البشر وحدهم. بل لا يعرفها البشر وحدهم. إلا أن يقادوا بمنهج الله ، إلى هذا الأفق العلوي الكريم الوضيء؟!
والقصة التي رويت من عدة مصادر في سبب نزول هذه الآيات أن نفرا من الأنصار ـ قتادة بن النعمان وعمه رفاعة ـ غزوا مع رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في بعض غزواته. فسرقت درع لأحدهم (رفاعة). فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من أهل بيت يقال لهم : بنو أبيرق. فأتى صاحب الدرع رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فقال : إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. (وفي رواية : إنه بشير بن أبيرق .. وفي هذه الرواية : أن بشيرا هذا كان منافقا يقول الشعر في ذم الصحابة وينسبه لبعض العرب!) فلما رأى السارق ذلك عمد إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي (اسمه زيد بن السمين). وقال لنفر من عشيرته : إني غيبت الدرع ، وألقيتها في بيت فلان. وستوجد عنده. فانطلقوا إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فقالوا : يا نبي
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
