الله : إن صاحبنا بريء ، وإن الذي سرق الدرع فلان. وقد أحطنا بذلك علما. فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس ، وجادل عنه ، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك .. ولما عرف رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن الدرع وجدت في بيت اليهودي ، قام فبرأ ابن أبيرق وعذره على رؤوس الناس. وكان أهله قد قالوا للنبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قبل ظهور الدرع في بيت اليهودي ـ إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت! قال قتادة : فأتيت رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فكلمته. فقال : «عمدت إلى أهل بيت يذكر منهم إسلام وصلاح وترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة؟» قال : فرجعت ، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في ذلك. فأتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فقال : الله المستعان .. فلم نلبث أن نزلت : (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ ، وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً) ـ أي بني أبيرق ـ وخصيما : أي محاميا ومدافعا ومجادلا عنهم ـ «واستغفر الله» ـ أي مما قلت لقتادة ـ (إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) .. (وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ) ـ إلى قوله تعالى : «رحيما» ـ أي لو استغفروا الله لغفر لهم ـ (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ) ـ إلى قوله : «إثما مبينا» .. (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ). إلى قوله : (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) .. فلما نزل القرآن أتى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بالسلاح فرده إلى رفاعة .. قال قتادة : لما أتيت عمي بالسلاح ـ وكان شيخا قد عمي ـ أو عشي ـ في الجاهلية ، وكنت أرى إسلامه مدخولا ، فلما أتيته بالسلاح قال : يا ابن أخي هي في سبيل الله. فعرفت أن إسلامه كان صحيحا! فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين ، فأنزل الله تعالى : (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً. إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً).
إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة بريء ، تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام ـ وإن كانت تبرئة بريء أمرا هائلا ثقيل الوزن في ميزان الله ـ إنما كانت أكبر من ذلك. كانت هي إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى ، ولا مع العصبية ، ولا يتأرجح مع المودة والشنآن أيا كانت الملابسات والأحوال.
وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد ؛ وعلاج عناصر الضعف البشري فيه مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية ـ في كل صورها حتى في صورة العقيدة ، إذا تعلق الأمر بإقامة العدل بين الناس ـ وإقامة هذا المجتمع الجديد ، الفريد في تاريخ البشرية ، على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة المتينة التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية ، والتي لا تترجرج مع الأهواء والميول والشهوات!
ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث ، أو عدم التشديد فيه والتنديد به وكشفه هكذا لجميع الأبصار. بل فضحه بين الناس ـ على هذا النحو العنيف المكشوف ..
كان هناك أكثر من سبب ، لو كانت الاعتبارات الأرضية هي التي تتحكم وتحكم. ولو كانت موازين البشر ومقاييسهم هي التي يرجع إليها هذا المنهج!
كان هناك سبب واضح عريض .. أن هذا المتهم «يهودي» .. من «يهود» .. يهود التي لا تدع سهما مسموما تملكه إلا أطلقته في حرب الإسلام وأهله. يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين في هذه الحقبة (ويشاء الله أن يكون ذلك في كل حقبة!) يهود التي لا تعرف حقا ولا عدلا ولا نصفة ، ولا تقيم اعتبارا لقيمة واحدة من قيم الأخلاق في التعامل مع المسلمين على الإطلاق!
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
