أهله ـ اقتباسا مما حولهم ـ أنه لا بد لهم من قوة قاهرة لحفظ التوازن!
هذه المقررات تشهد ـ على الأقل ـ بقلة ملابسة طبيعة الإسلام الأصيلة لنفوس هؤلاء القائلين بهذه التكهنات والظنون.
لو كان الجهاد ملابسة طارئة في حياة الأمة المسلمة ما استغرق كل هذه الفصول من صلب كتاب الله ؛ في مثل هذا الأسلوب! ولما استغرق كذلك كل هذه الفصول من سنة رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وفي مثل هذا الأسلوب ..
لو كان الجهاد ملابسة طارئة ما قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ تلك الكلمة الشاملة لكل مسلم إلى قيام الساعة : «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق» (١).
ولئن كان ـ صلىاللهعليهوسلم ـ رد في حالات فردية بعض المجاهدين ، لظروف عائلية لهم خاصة ، كالذي جاء في الصحيح أن رجلا قال للنبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أجاهد. قال : «لك أبوان؟» قال : نعم. قال ، «ففيهما جاهد» .. لئن كان ذلك فإنما هي حالة فردية لا تنقض القاعدة العامة ؛ وفرد واحد لا ينقص المجاهدين الكثيرين. ولعله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ على عادته في معرفة كل ظروف جنوده فردا فردا ، كان يعلم من حال هذا الرجل وأبويه ، ما جعله يوجهه هذا التوجيه ..
فلا يقولن أحد ـ بسبب ذلك ـ إنما كان الجهاد ملابسة طارئة بسبب ظروف. وقد تغيرت هذه الظروف! وليس ذلك لأن الإسلام يجب أن يشهر سيفه ويمشي به في الطريق يقطع به الرؤوس! ولكن لأن واقع حياة الناس وطبيعة طريق الدعوة تلزمه أن يمسك بهذا السيف ويأخذ حذره في كل حين!
إن الله ـ سبحانه ـ يعلم أن هذا أمر تكرهه الملوك! ويعلم أن لا بد لأصحاب السلطان أن يقاوموه. لأنه طريق غير طريقهم ، ومنهج غير منهجهم. ليس بالأمس فقط. ولكن اليوم وغدا. وفي كل أرض ، وفي كل جيل!
وإن الله ـ سبحانه ـ يعلم أن الشر متبجح ، ولا يمكن أن يكون منصفا. ولا يمكن أن يدع الخير ينمو ـ مهما يسلك هذا الخير من طرق سلمية موادعة! ـ فإن مجرد نمو الخير يحمل الخطورة على الشر. ومجرد وجود الحق يحمل الخطر على الباطل. ولا بد أن يجنح الشر إلى العدوان ؛ ولا بد أن يدافع الباطل عن نفسه بمحاولة قتل الحق وخنقه بالقوة!
هذه جبلة! وليست ملابسة وقتية ...
هذه فطرة! وليست حالة طارئة ...
ومن ثم لا بد من الجهاد .. لا بد منه في كل صورة .. ولا بد أن يبدأ في عالم الضمير. ثم يظهر فيشمل عالم الحقيقة والواقع والشهود. ولا بد من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح. ولا بد من لقاء الباطل المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة .. وإلا كان الأمر انتحارا. أو كان هزلا لا يليق بالمؤمنين!
ولا بد من بذل الأموال والأنفس. كما طلب الله من المؤمنين. وكما اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة .. فأما أن يقدر لهم الغلب ؛ أو يقدر لهم الاستشهاد ؛ فذلك شأنه ـ سبحانه ـ وذلك قدره المصحوب بحكمته .. أما هم فلهم إحدى الحسنيين عند ربهم .. والناس كلهم يموتون عند ما يحين الأجل .. والشهداء وحدهم
__________________
(١) أخرجه صاحب مصابيح السنة في الصحاح.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
