«أما إنها ليست بعتبة أمك. ما بين الدرجتين مائة عام».
وهذه المسافات التي يمثل بها رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، نحسب أننا اليوم أقدر على تصورها ؛ بعد الذي عرفناه من بعض أبعاد الكون. حتى إن الضوء ليصل من نجم إلى كوكب في مئات السنين الضوئية! وقد كان الذين يسمعون رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يصدقونه بما يقول. ولكنا ـ كما قلت ـ ربما كنا أقدر ـ فوق الإيمان ـ على تصور هذه الأبعاد بما عرفناه من بعض أبعاد الكون العجيب!
ثم يعود السياق بعد تقرير هذا الفارق في المستوي بين القاعدين من المؤمنين ـ غير أولي الضرر ـ والمجاهدين بأموالهم وأنفسهم ، فيقرر أن الله وعد جميعهم الحسنى :
(وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى) ..
فللإيمان وزنه وقيمته على كل حال ؛ مع تفاضل أهله في الدرجات وفق تفاضلهم في النهوض بتكاليف الإيمان ؛ فيما يتعلق بالجهاد بالأموال والأنفس .. وهذا الاستدراك هو الذي نفهم منه أن هؤلاء القاعدين ليسوا هم المنافقين المبطئين. إنما هم طائفة أخرى صالحة في الصف المسلم ومخلصة ؛ ولكنها قصرت في هذا الجانب ؛ والقرآن يستحثها لتلافي التقصير ؛ والخير مرجو فيها ، والأمل قائم في أن تستجيب.
فإذا انتهى من هذا الاستدراك عاد لتقرير القاعدة الأولى ؛ مؤكدا لها ، متوسعا في عرضها ؛ ممعنا في الترغيب فيما وراءها من أجر عظيم :
(وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً. دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً. وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً).
وهذا التوكيد .. وهذه الوعود .. وهذا التمجيد للمجاهدين .. والتفضيل على القاعدين .. والتلويح بكل ما تهفو له نفس المؤمن من درجات الأجر العظيم .. ومن مغفرة الله ورحمته للذنوب والتقصير ..
هذا كله يشي بحقيقتين هامتين :
الحقيقة الأولى : هي أن هذه النصوص كانت تواجه حالات قائمة في الجماعة المسلمة كما أسلفنا وتعالجها. وهذا كفيل بأن يجعلنا أكثر إدراكا لطبيعة النفس البشرية ، ولطبيعة الجماعات البشرية ، وأنها مهما بلغت في مجموعها من التفوق في الإيمان والتربية فهي دائما في حاجة إلى علاج ما يطرأ عليها من الضعف والحرص والشح والتقصير في مواجهة التكاليف ، وبخاصة تكاليف الجهاد بالأموال والأنفس ، مع خلوص النفس لله ، وفي سبيل الله. وظهور هذه الخصائص البشرية ـ من الضعف والحرص والشح والتقصير ـ لا يدعو لليأس من النفس أو الجماعة ، ولا إلى نفض اليد منها ، وازدرائها ؛ طالما أن عناصر الإخلاص والجد والتعلق بالصف والرغبة في التعامل مع الله موفورة فيها .. ولكن ليس معنى هذا هو إقرار النفس أو الجماعة على ما بدا منها من الضعف والحرص والشح والتقصير ؛ والهتاف لها بالانبطاح في السفح ، باعتبار أن هذا كله جزء من «واقعها»! بل لا بد لها من الهتاف لتنهض من السفح والحداء لتسير في المرتقى الصاعد ، إلى القمة السامقة. بكل ألوان الهتاف والحداء .. كما نرى هنا في المنهج الرباني الحكيم.
والحقيقة الثانية : هي قيمة الجهاد بالأموال والأنفس في ميزان الله واعتبارات هذا الدين وأصالة هذا العنصر في طبيعة هذه العقيدة وهذا النظام. لما يعلمه الله ـ سبحانه ـ من طبيعة الطريق ؛ وطبيعة البشر ؛ وطبيعة المعسكرات المعادية للإسلام في كل حين.
إن «الجهاد» ليس ملابسة طارئة من ملابسات تلك الفترة. إنما هو ضرورة مصاحبة لركب هذه الدعوة! وليست المسألة ـ كما توهم بعض المخلصين ـ أن الإسلام نشأ في عصر الإمبراطوريات ؛ فاندس في تصورات
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
