وعدد الخيوط التي يشدها في هذه النفس ، فتصوت كلها وتستجيب!
لقد كان التفوق في منهج التربية ، والتفوق في التنظيم الاجتماعي الذي قام عليه ؛ هو الأمر البارز الظاهر فيما بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات حوله من فروق .. ولقد كان هذا التفوق البارز هو كذلك أوضح الأسباب ـ التي يراها البشر ـ لتمكن هذا المجتمع الناشئ الشاب ـ بكل ما كان في حياته من ملابسات ومن ضعف أحيانا وتقصير ـ من طي تلك المجتمعات الأخرى ، والغلبة عليها. لا غلبة معركة بالسلاح فحسب ؛ ولكن غلبة حضارة فتية على حضارات شاخت. غلبة منهج على مناهج ، ونموذج من الحياة على نماذج ؛ ومولد عصر جديد على مولد إنسان جديد ..
ونكتفي بهذا القدر حتى نواجه النصوص بالتفصيل :
* * *
(لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ـ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ـ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ، وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى. وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً. دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً. وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) ..
إن هذا النص القرآني كان يواجه حالة خاصة في المجتمع المسلم وما حوله ؛ وكان يعالج حالة خاصة في هذا المجتمع من التراخي ـ من بعض عناصره ـ في النهوض بتكاليف الجهاد بالأموال والأنفس. سواء كان المقصود أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة احتفاظا بأموالهم ، إذ لم يكن المشركون يسمحون لمهاجر أن يحمل معه شيئا من ماله ؛ أو توفيرا لعناء الهجرة وما فيها من مخاطر ، إذ لم يكن المشركون يتركون المسلمين يهاجرون ، وكثيرا ما كانوا يحبسونهم ويؤذونهم ـ أو يزيدون في إيذائهم بتعبير أدق ـ إذا عرفوا منهم نية الهجرة .. سواء كان المقصود هم أولئك الذين تخلفوا عن الهجرة ـ وهو ما نرجحه ـ أو كان المقصود بعض المسلمين في دار الإسلام ، الذين لم ينشطوا للجهاد بالأموال والأنفس ـ من غير المنافقين المبطئين الذين ورد ذكرهم في درس سابق ـ أو كان المقصود هؤلاء وهؤلاء ممن لم ينشطوا للجهاد بالأموال والأنفس في دار الحرب ودار الإسلام سواء.
إن هذا النص كان يواجه هذه الحالة الخاصة ؛ ولكن التعبير القرآني يقرر قاعدة عامة ؛ يطلقها من قيود الزمان ، وملابسات البيئة ؛ ويجعلها هي القاعدة التي ينظر الله بها إلى المؤمنين في كل زمان وفي كل مكان ـ قاعدة عدم الاستواء بين القاعدين من المؤمنين عن الجهاد بالأموال والأنفس ـ غير أولي الضرر الذين يقعدهم العجز عن الجهاد بالنفس ، أو يقعدهم الفقر والعجز عن الجهاد بالنفس والمال ـ عدم الاستواء بين هؤلاء القاعدين والآخرين الذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم .. قاعدة عامة على الإطلاق :
(لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ـ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ـ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ..
ولا يتركها هكذا مبهمة ، بل يوضحها ويقررها ، ويبين طبيعة عدم الاستواء بين الفريقين :
(فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً) ..
وهذه الدرجة يمثلها رسول الله صلىاللهعليهوسلم في مقامهم في الجنة.
في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قال : «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله. وما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» ..
وقال الأعمش عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «من رمى بسهم فله أجره درجة» .. فقال رجل : يا رسول الله ، وما الدرجة؟ فقال :
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
