في كل مناسبات التشريع ، فما من مرة ذكر القرآن تشريعا إلا أشار إلى المصدر الذي يجعل لهذا التشريع سلطانا. أما حين يشير إلى شرائع الجاهلية وعرفها وتصوراتها فهو يردفها غالبا بقوله : (ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ) لتحريرها من السلطان ابتداء ، وبيان علة بطلانها ، وهي كونها لم تصدر من ذلك المصدر الوحيد الصحيح.
وهذا الأصل الذي نقرره هنا هو شيء آخر غير الأصل المعروف في التشريع الإسلامي. من أن الأصل في الأشياء الحل ، ما لم يرد بتحريمها نص. فكون الأصل في الأشياء الحل ، إنما هو كذلك بأمر الله وإذنه. فهو راجع إلى الأصل الذي قررناه ذاته. إنما نحن نتحدث عما تشرعه الجاهلية لنفسها دون رجوع إلى ما شرعه الله. وهذا الأصل فيه البطلان جملة وكلية ، حتى يقرر شرع الله ما يرى تقريره منه من جديد ، فيكتسب منذ أن يرد في شرع الله المشروعية والسلطان.
* * *
فإذا انتهى السياق من بيان المحرمات ، وربطها بأمر الله وعهده ، أخذ في بيان المجال الذي يملك فيه الناس أن يلبوا دوافع فطرتهم في التزاوج ، والطريقة التي يحب الله أن يلتقي بها أفراد الجنسين لتكوين البيوت ، وإقامة مؤسسات الأسرة ، والمتاع بهذا الالتقاء في نظافة وطهر وجد تليق بهذا الأمر العظيم :
(وَأُحِلَّ لَكُمْ ـ ما وَراءَ ذلِكُمْ ـ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ .. مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ .. فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ـ فَرِيضَةً ـ وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ. إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) ..
ففيما وراء هذه المحرمات المذكورة فالنكاح حلال ، وللراغبين فيه أن يبتغوا النساء ، بأموالهم ـ أي لأداء صداقهن ـ لا لشراء أعراضهن بالأموال من غير نكاح! ومن ثم قال :
(مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ) ..
وجعلها قيدا وشرطا للابتغاء بالأموال ، قبل أن يتم الجملة ، وقبل أن يمضي في الحديث. ولم يكتف بتقرير هذا القيد في صورته الإيجابية المثبتة : «محصنين» بل أردفها بنفي الصورة الأخرى : «غير مسافحين» زيادة في التوكيد والإيضاح ، في معرض التشريع والتقنين .. ثم لكي يرسم صورة لطبيعة العلاقة الأولى التي يحبها ويريدها .. علاقة النكاح .. وصورة لطبيعة العلاقة الأخرى التي يكرهها وينفيها .. علاقة المخادنة أو البغاء .. وقد كانت هذه وتلك معروفة في مجتمع الجاهلية ، ومعترفا بها كذلك من المجتمع!
جاء في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ :
«إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء : فنكاح منها نكاح الناس اليوم. يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بيته ، فيصدقها ثم ينكحها .. والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته ـ إذا طهرت من طمثها ـ أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه. فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع .. ونكاح آخر. يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة ، كلهم يصيبها ، فإذا حملت ووضعت ، ومر عليها ليال ، بعد أن تضع حملها ، أرسلت إليهم ، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع ، حتى يجتمعوا عندها ، تقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم ، وقد ولدت ، فهو ابنك يا فلان. تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها ، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل. والنكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما ، فمن أرادهن دخل عليهن ،
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
