والحاصل ان إطلاق صيغ المضارع إنما يصح فيما إذا لم يكن الفاعل حين الإطلاق متلبسا بالفعل وان أراد من الحال الحال العرفي ـ أعنى الزمان المتصل بحال الإطلاق ـ فهو مرتبة من مراتب الاستقبال ، وليس فعل المضارع دالا الا على الاستقبال. نعم لما لم يدل على مرتبة خاصة من الاستقبال ، يصح إطلاقه على أي مرتبة منه ، ولو أطلق الحال على هذه المرتبة من الاستقبال ، يمكن إطلاقه على هذه المرتبة من الماضي أيضا ، فهلا قيل بان فعل الماضي يدل على الماضي والحال.
وكيف كان تحصل من جميع ما ذكرنا أن الماضي يدل على استناد المبدأ إلى الفاعل على نحو المضي بالنسبة إلى حال الإطلاق ، والمضارع يدل على اسناده إليه حال الإطلاق ومما ذكرنا يعلم أن نسبة بعض الصيغ
______________________________________________________
ذلك إلى ما شاء الله من الأفعال على المتلبس في الحال مجاز ، أو يلاحظ فيها الاجزاء الآتية في الاستقبال؟ كلا. وبذلك يعرف عدم احتياج صحة إطلاق يصلي ويذكر ويقرأ وأمثال ذلك إلى لحاظ الاستقبال ، وأيضا هل يصح أن يدعي أحد أن «يعلم» و «يظن» و «يشك» وأمثال ذلك لا يطلق على من يطلق عليه العالم بالفعل؟ وهل ادّعاء ذلك الا مخالفة لوجدانه إذا قال : أعلم و...؟ بل يمكن ادّعاء انصراف أمثال ذلك إلى خصوص الحال ، ولذا يحتاج الاخبار بها عن الاستقبال إلى السين أو سوف وتقول : سيعلم أو سوف يعلم.
فان قيل : ما الفرق بين بقاء العلم وأمثاله مع بقاء القيام والقعود؟ وكيف لا يصح إطلاق «يقوم» لمن يبقى قيامه ويصح «يعلم» لمن يبقى علمه مع انه كالقيام يشبه الأوصاف؟
قلت : الفرق أن بقاء العلم وأمثاله من أفعال القلوب ليس إلّا بتوجه النّفس في كل آن كتوجهها حين حدوث الفعل أو الصفة المذكورة ، ولذا يسند إليه في الآن الثاني كإسناده في الأول ، بخلاف القيام فقد ذكرنا أنه لا يعد بقاؤه فعلا على حدة فافهم واغتنم.
![إفاضة العوائد [ ج ١ ] إفاضة العوائد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3871_efazat-alawaid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
