(عَذابٌ مُقِيمٌ) وقرئ : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ) أي فى مكان تدوم إقامتهم فيه ، وتقويم الشيء تثقيفه ، قال : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) وذلك إشارة إلى ما خص به الإنسان من بين الحيوان من العقل والفهم وانتصاب القامة الدالة على استيلائه على كل ما فى هذا العالم ، وتقويم السلعة بيان قيمتها. والقوم جماعة الرجال فى الأصل دون النساء ، ولذلك قال : (لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ) الآية ، قال الشاعر :
أقوم آل حصن أم نساء
وفى عامة القرآن أريدوا به والنساء جميعا ، وحقيقته للرجال لما نبه عليه قوله تعالى (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) الآية.
(قوى) : القوة تستعمل تارة فى معنى القدرة نحو قوله تعالى : (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ) وتارة للتهيؤ الموجود فى الشيء نحو أن يقال : النوى بالقوة تخل ، أي متهيأ ومترشح أن يكون منه ذلك. ويستعمل ذلك فى البدن تارة وفى القلب أخرى ، وفى المعاون من خارج تارة وفى القدرة الإلهية تارة. ففي البدن نحو قوله تعالى : (وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ـ (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) فالقوة هاهنا قوة البدن بدلالة أنه رغب عن القوة الخارجة فقال تعالى : (ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) وفى القلب نحو قوله : (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ) أي بقوة قلب ، وفى المعاون من خارج نحو قوله تعالى : (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً) قيل معناه من أتقوى به من الجند وما أتقوى به من المال ، ونحو قوله : (قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ) وفى القدرة الإلهية نحو قوله : (إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ـ (وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً) وقوله : (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) فعام فيما اختص الله تعالى به من القدرة وما جعله للخلق. وقوله : (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ) فقد ضمن تعالى أن يعطى كل واحد منهم من أنواع القوى قدر ما يستحقه وقوله تعالى : (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) يعنى به جبرئيل عليهالسلام ووصفه بالقوة عند ذى العرش وأفرد اللفظ ونكره فقال : (ذِي قُوَّةٍ) تنبيها أنه إذا اعتبر بالملإ الأعلى فقوته إلى حد ما ، وقوله فيه : (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى) فإنه وصف القوة بلفظ الجمع وعرفها تعريف الجنس تنبيها أنه إذا اعتبر بهذا العالم وبالذين يعلمهم ويفيدهم هو كثير القوى عظيم القدرة والقوة التي تستعمل للتهيؤ
![الموسوعة القرآنيّة [ ج ٨ ] الموسوعة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3867_almosua-alquranya-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
