تأكلون من اللحوم التي ذكر اسم الله عليها ، في الوقت الذي بيّن الله لكم ما حرم عليكم؟ (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ).
مرّة اخرى نشير إلى أنّ التوبيخ والتوكيد ليسا من أجل ترك أكل اللحم الحلال ، بل الهدف هو أنّ هذه هي ما ينبغي أن تأكلوا منها ، لا من غيرها ، وبعبارة اخرى : التوكيد هنا على النقطة المقابلة لمفهوم العبارة ، من هنا استدل على ذلك بالقول : (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ).
ثم يستثني من ذلك حالة واحدة : (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) سواء كان هذا الاضطرار ناشئاً من وجود الإنسان في البيداء وتحت ضغط الجوع الشديد ، أو الوقوع تحت سيطرة المشركين الذين قد يجبرونه على أكل لحومهم.
ثم تشير الآية إلى أنّ كثيراً من الناس يحاولون أن يضلوا الآخرين عن جهل أو عن إتباع الهوى : (وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ).
يلزم القول أنّ الجملة المذكورة ربّما تكون إشارة إلى ما كان سائداً بين المشركين العرب الذين كانوا يسوّغون لأنفسهم أكل لحوم الحيوانات الميتة بالقول : أيجوز أن تعتبر لحوم الحيوانات التي نقتلها بأنفسنا حلالاً ، ولحوم الحيوانات التي يقتلها الله حراماً؟
بديهي أنّ هذا لم يكن سوى سفسطة فارغة ، لأنّ الحيوان الميت ليس حيواناً ذبحه الله ليمكن مقارنته بالحيوانات المذبوحة ، إذ إنّ الحيوان الميت بؤرة الأمراض ولحمه فاسد ، ولهذا حرّم الله أكله ، وأخيراً يقول : (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) الذين يحاولون بهذه الأدلة الواهية تنكّب طريق الحق ، بل يسعون إلى إضلال الآخرين.
الآية الثالثة تذكر قانوناً عاماً ، فيحتمل أن يرتكب بعضهم هذا الإثم في الخفاء ، وتقول : (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ).
يقال إنّهم في الجاهلية كانوا يعتقدون أنّ الزنا إذا ارتكب في الخفاء فلا بأس به ، أمّا إذا إرتكب علناً فهو الإثم! واليوم ـ أيضاً ـ نجد اناساً يسيرون وفق هذا المنطق الجاهلي فيخشون إرتكاب الإثم علانية ، ولكنّهم يرتكبون في الخفاء ما يشاؤون من الآثام دون رادع من ضمير.
إنّ هذه الآية لا تدين هذا المنطق فحسب ، بل من باب تهديد المذنبين بما ينتظرهم من مصير مشؤوم وتذكيرهم بذلك ، تقول الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ).
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
