مجهولاتها ، ولتعرف كيف يمكن لعناصر الطبيعة وموادها الجامدة أن تطفر طفرة عظيمة فتتحوّل إلى كائنات حيّة.
لذلك نجد القرآن ـ وفي معرض إثبات وجود الله ـ كثيراً ما يكرر هذا الموضوع ، كما يستدل أنبياء عظام كإبراهيم وموسى ، على وجود مبدأ قادر حكيم بمسألة الحياة والموت لإقناع جبابرة طغاة مثل نمرود وفرعون.
وفي ختام الآية توكيد للموضوع : (ذلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ). أي هذا هو ربّكم وهذه هي قدرته وعلمه اللامتناهي ، فكيف بعد هذا تنحرفون عن الحق وتميلون إلى الباطل.
في الآية الثانية يشير القرآن إلى ثلاث نعم سماوية : فيقول أوّلاً : (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ).
كثيراً ما يشير القرآن إلى نعمتي النّور والظلام والليل والنهار ، ولكنّه هنا يتناول «طلوع الصبح» كنعمة من نعم الله الكبرى ، فنحن نعرف أنّ هذه الظاهرة تحدث لوجود جوّ الأرض ، ذلك الغلاف الضخم من الهواء الذي يحيط بالأرض ، فلو كانت الأرض ـ مثل القمر ـ عديمة الجو ، لما كان هناك «طلوعان» ولا «فلق» ولا «إصباح» ولا «غسق» ولا «شفق» غير أنّ الجو الموجود حول الأرض والمؤدّي إلى حصول فترة فاصلة بين ظلام الليل وضياء النهار عند طلوع الشمس وغروبها يهيّىء الإنسان تدريجياً لتقبّل هذين الاختلافين المتضادين والإنتقال من الظلمة إلى النور ، ومن النور إلى الظلمة ، شيئاً فشيئاً ، بحيث إنّه يستطيع أن يتحمّل كل منهما.
ولكيلا يظن أحد أنّ فلق الصبح دليل على أنّ ظلال الليل أمر غير مطلوب وأنّه عقاب أو سلب نعمة ، يبادر القرآن إلى القول : (وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا).
من الامور المسلم بها أنّ الإنسان يميل خلال انتشار النور والضياء إلى العمل وبذل الجهد ، ويتّجه الدم نحو سطح الجسم وتتهيّأ العضلات للفعالية والنشاط ، ولذلك لا يكون النوم في الضوء مريحاً ، بل يكون أعمق وأكثر راحة كلّما كان الظلام أشد ، حيث يتّجه الدم فيه نحو الداخل ، وتدخل الخلايا عموماً في نوع من السكون والراحة ، لذلك نجد في الطبيعة أنّ النوم في الليل لا يقتصر على الحيوانات فقط ، بل إنّ النباتات تنام في الليل أيضاً ، وعند بزوغ خيوط الصباح الأولى تشرع بفعاليتها ونشاطها ، بعكس الإنسان في هذا العصر الآلي ، فهو يبقى مستيقظاً إلى ما بعد منتصف الليل ، ثم يظل نائماً حتى بعد ساعات من طلوع الشمس ، فيفقد بذلك نشاطه وسلامته.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
