هو لحظة بدء حياتها ، وما من أحد غير الله يعلم بنظام هذا الموت وهذه الحياة.
إنّ لهذا الموضوع أثراً «فلسفياً» وآخر «تربوياً» :
أمّا أثره الفلسفي ، فينفي رأي الذين يحصرون علم الله بالكليات ، ويعتقدون أنّه لا يعلم عن الجزئيات شيئاً ، وفي الآية هنا تأكيد على أنّ الله يعلم الكليات والجزئيات كلها.
أمّا أثره التربوي فواضح ، لأنّ الإيمان بهذا العلم الواسع لله يقول للإنسان : إنّ جميع أسرار وجودك ، وأعمالك ، وأقوالك ونيّاتك ، وأفكارك كلها بيّنة أمام الله ، فإذا آمن الإنسان حقاً بهذا ، فكيف يمكن له أن لا يكون رقيباً على نفسه ويسيطر على أعماله وأقواله ونيّاته.
وفي ختام الآية يقول تعالى : (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ).
في الآية الثانية ينتقل الكلام إلى إحاطة علم الله بأعمال الإنسان وهو الهدف الأصلي وإلى بيان قدرة الله القاهرة ، لكي يستنتج الناس من هذا البحث الدروس التربوية اللازمة فتبدأ بالقول بأنّ الله هو الذي يقبض أرواحكم في الليل ، ويعلم ما تعملون في النهار : (وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ).
«توفّي» : تعني استرجع ، فالقول بأنّ النوم هو استرجاع للروح يعود إلى أنّ النوم أخو الموت ، كما هو معروف ، فالموت تعطيل كامل لجهاز الدماغ ، وانقطاع تام في إرتباط الروح بالجسد ، بينما النوم تعطيل قسم من جهاز الدماغ وضعف في هذا الإرتباط ، وعليه فالنوم مرحلة صغيرة من مراحل الموت.
«جرحتم» : من «جرح» وهي هنا بمعنى الإكتساب ، أي أنّكم تعيشون تحت ظل قدرة الله وعلمه ليلاً ونهاراً ، وانّ الذي يعلم بإنفلاق الحبّة ونموها في باطن الأرض ، ويعلم بسقوط أوراق الأشجار وموتها في أيّ مكان وزمان ، يعلم بأعمالكم أيضاً.
ثم يقول : إنّ نظام النوم واليقظة هذا يتكرر ، فأنتم تنامون في الليل (ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى). أي ثم يوقظكم في النهار .. وتستمر هذه العملية حتى نهاية حياتكم.
ويبيّن القرآن النتيجه النهائية لهذا المبحث بالشكل التالي : (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
وفي الآية الثالثة توضيح أكثر لإحاطة علم الله بأعمال عباده وحفظها بكل دقة ليوم الحساب ، بعد أن يسجلها مراقبون مرسلون لإحصاء أعمالهم : (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً).
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ٢ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3860_mukhtasar-alamsal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
