٢ ـ ثم يقول : (مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ). أي ما لا يحق لي قوله ولا يليق بي أن أقوله.
فهو لا ينفي هذا القول عن نفسه فحسب ، بل ينفي أن يكون له حق في قول مثل هذا القول الذي لا ينسجم مع مقامه ومركزه.
٣ ـ ثم يستند إلى علم الله الذي لا تحدّه حدود ، تأكيداً لبراءته فيقول : (إِنْ كُنتَ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلمُ الْغُيُوبِ) (١).
٤ ـ (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ). لا أكثر من ذلك.
٥ ـ (وَكُنتَ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ). أي كنت أحول دون سقوطهم في هاوية الشرك مدّة بقائي بينهم ، فكنت الرقيب والشاهد عليهم ، ولكن بعد أن رفعتني إليك ، كنت أنت الرقيب والشاهد عليهم.
٦ ـ (إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). أي على كل حال فالأمر أمرك والإرادة إرادتك ، إن شئت أن تعاقبهم على انحرافهم الكبير فهم عبيدك وليس بامكانهم أن يفرّوا من عذابك ، فهذا حقك بإزاء العصاة من عبيدك وإن شئت أن تغفر لهم ذنوبهم فإنّك أنت القوي الحكيم فلا عفوك دليل ضعف ولا عقابك خال من الحكمة والحساب.
(قَالَ اللهُ هذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٢٠)
الفوز العظيم : بعد الحوار الذي جرى بين الله والمسيح عليهالسلام يوم القيامة ـ كما شرحناه في تفسير الآيات السابقة ـ تقول الآية : (قَالَ اللهُ هذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ).
وهؤلاء الصادقون : (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا). وخير من هذه النعمة المادية أنّهم : (رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ). ولا شك أنّ هذه النعمة الكبرى التي تجمع بين النعم المادية والنعم المعنوية شيء عظيم : (ذلِكَ الفَوْزُ الْعَظِيمُ).
__________________
(١) إطلاق كلمة «نفس» على الله لا يعني الروح ، فمن معاني النفس الذات.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
