يمد يده لقتل أخيه ، فهو يخاف الله ويخشاه ، ولن يرتكب أو يلوث يده بمثل هذا الإثم ، حيث تقول الآية : (لَئِنْ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدَىَّ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنّى أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).
وأضاف هذا الأخ الصالح ـ مخاطباً أخاه الذي أراد أن يقتله ـ أنّه لا يريد أن يتحمل آثام الآخرين ، قائلاً له : (إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ) (١). (أي لأنّك إن نفذت تهديدك فستتحمل ذنوبي السابقة أيضاً ، لأنّك سلبت مني حق الحياة وعليك التعويض عن ذلك ، ولما كنت لا تمتلك عملاً صالحاً لتعوض به ، فما عليك إلّاأن تتحمل إثمي أيضاً ، وبديهي أنّك لو قبلت هذه المسؤولية الخطيرة فستكون حتماً من أهل النار ، لأنّ النار هي جزاء الظالمين) كما تقول الآية : (فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ).
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) (٣١)
التّستر على الجريمة : تواصل هاتان الآيتان بقية الواقعة التي حصلت بين إبني آدم عليهالسلام فتبيّن الآية الاولى منهما أنّ نفس قابيل هي التي دفعته إلى قتل أخيه فقتله ، حيث تقول : (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ).
«طوع» : تأتي في الأصل من «الطاعة» لذلك يستدل من هذه العبارة على أنّ قلب «قابيل» بعد أن تقبل الله قربان أخيه هابيل أخذت تعصف به الأحاسيس والمشاعر المتناقضة ، فمن جانب استعرت فيه نار الحسد وكانت تدفعه إلى الإنتقام من أخيه «هابيل» ومن جانب آخر كانت عواطفه الإنسانية وشعوره الفطري بقبح الذنب والظلم والجور وقتل النفس ، يحولان دون قيامه بارتكاب الجريمة ، لكن نفسه الأمارة بالسوء تغلبت رويداً رويداً على مشاعره الرادعة فطوّعت ضميره الحي وكبلته بقيودها واعدته لقتل أخيه.
وتشير الآية ـ في آخرها ـ إلى نتيجة عمل «قابيل» فتقول : (فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
فأيّ ضرر أكبر من أن يشتري الإنسان لنفسه عذاباً سيلازمه إلى يوم القيامة ويشمل
__________________
(١) «تبوء» : مشتقة من المصدر «بواء» أي «العودة».
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
