وأنّبهم لموقفهم هذا بقوله : (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى).
وفي هذا المقطع القرآني ردّ آخر على اولئك المنافقين ، حيث بيّن أنّ الموت آتيهم يوماً لا محالة ، حتى إذا تحصنوا في قلاع عالية ومنيعة بحسب ظنّهم ، ومادام الموت يدرك الإنسان بهذه الصورة أليس من الخير له أن يموت على طريق مثمر وصحيح كالجهاد؟!
يشير القرآن في هاتين الآيتين إلى وهم آخر من أوهام المنافقين ، حين يوضح أنّ هؤلاء إذا أحرزوا نصراً أو غنموا خيراً قالوا : إنّ الله هو الذي أنعم عليهم بذلك ، وزعموا أنّهم أهل لهذه النعمة : (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ).
أمّا إذا مني هؤلاء بهزيمة أو لحقهم أذى في ميدان القتال ، ألقوا اللوم على النبي صلىاللهعليهوآله وافتروا عليه بقولهم إنّ ما نالهم من سوء هو من عنده ، متهمين خططه العسكرية بالضعف ، من ذلك ما حدث في غزوة احد. تقول الآية : (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِندِكَ).
إنّ القرآن الكريم يردّ على هؤلاء مؤكداً إنّ الإنسان المسلم الموحد الذي يؤمن صادقاً بالله ويعبده ولا يعبد سواه ، إنّما يعتقد بأنّ كل الوقائع والأحداث والإنتصارات والهزائم هي بيد الله العليم الحكيم ، فالله هو الذي يهب الإنسان ما يستحقه ويعطيه بحسب قيمته الوجودية ، وفي هذا المجال تقول الآية : (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ).
والآية ـ هذه ـ تحمل في آخرها تقريعاً وتأنيباً للمنافقين الذين لا يتفكرون ولا يمعنون في حقائق الحياة المختلفة ، حيث تقول : (فَمَالِ هؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَايَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا).
وبعد هذا ـ في الآية التالية ـ يصرح القرآن بأنّ كل ما يصيب الإنسان من خيرات وفوائد وكل ما يواجهه الكائن البشري من سرور وإنتصار هو من عند الله ، وإنّ ما يحصل للإنسان من سوء وضرر وهزيمة أو خسارة فهو بسبب الإنسان نفسه. تقول الآية : (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ).
وتردّ الآية في آخرها على اولئك الذين كانوا يرون وجود النبي صلىاللهعليهوآله سبباً لوقوع الحوادث المؤسفة فيما بينهم فتقول : (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا).
وحين تنسب الآية الاولى الخير والشر كله لله ، فإنّ ذلك معناه أنّ مصادر القوة جميعها بيد الله العليم القدير حتى تلك القوّة التي يساء استخدامها ، ومن هذا المنطلق تنسب الخير والشر لله ، لأنّه هو واهب القوى. والآية الثانية : تنسب «السيئات» إلى الناس إنطلاقاً من مفهوم «الجوانب السلبية» للقضية ومن الإساءة في استخدام المواهب الإلهية.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
