(تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَءَاتُوا الزَّكَوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً). فكان هؤلاء في اعتراضهم على أمر الجهاد يقولون صراحة : لماذا أسرع الله في إنزال أمر الجهاد؟ ويتمنون لو أخر الله هذا الأمر ولو قليلاً! أو يطلبون أن يناط أمر الجهاد للأجيال القادمة (١) (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ).
والقرآن الكريم يردّ على هؤلاء أوّلاً من خلال عبارة : (يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً). أي أنّ هؤلاء بدل أن يخافوا الله القادر القهار ، أخذتهم الرّجفة واستولى عليهم الرعب من إنسان ضعيف عاجز ، بل أصبح خوفهم من هذا الإنسان أكبر من خشيتهم الله العلي القدير.
ثم يواجه القرآن هؤلاء بهذه الحقيقة : لو أنّهم استطاعوا بعد تركهم الجهاد أن يوفّروا لأنفسهم ـ فرضاً ـ حياة قصيرة رغيدة هانئة ، فإنّهم سيخسرون هذه الحياة لأنّها زائلة لا محالة ، بينما الحياة الأبدية التي وعد الله بها عباده المؤمنين المجاهدين الذين يخشونه ولا يخشون سواه ، هي خير من تلك الحياة الزائلة ، وإن المتقين سيلقون فيها ثوابهم كاملاً غير منقوص دون أن يصيبهم أي ظلم ، (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً).
(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَا لِهؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً) (٧٩)
إنّ هاتين الآيتين تقصدان مجموعة من المنافقين تسللوا إلى صفوف المسلمين ، أنّ هؤلاء قد أبدوا الخوف والقلق من المشاركة في مسؤولية الجهاد ، وقد ظهر عليهم الضجر والإستياء حين نزول حكم الجهاد ، فردّ عليهم القرآن الكريم ـ في الآية (٧٧) من نفس السورة ـ
__________________
(١) تدلّ بعض الأحاديث أنّ هذا النفر من المسلمين كان قد سمع بحديث نهضة المهدي المنتظر ، فكان البعض منهم يترقب أن يؤخر الجهاد إلى زمن المهدي عليهالسلام. (تفسير نور الثقلين ١ / ٥١٨).
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
