الإنفاق رياءً والإنفاق قربةً : الآية الاولى من هذه الآيات الثلاث تعقيب على الآيات السابقة وإشارة إلى المتكبرين إذ تقول : (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ). هذا مضافاً إلى أنّهم يسعون دائماً أن يخفوا عن الآخرين ما تفضل الله عليهم به من الخير كيلا يتوقع المجتمع منهم شيئاً (وَيَكْتُمُونَ مَاءَاتهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ).
ثم يقول عن نهاية هذا الفرق من الناس وعاقبة أمرهم : (وَاعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا). ولعل السرّ في استخدام هذا التعبير في حق هذه الطائفة هو أنّ «البخل» ينبع في الغالب من الكفر ، لأنّ البخلاء لا يمتلكون الإيمان الكامل بالمواهب الربانية المطلقة والوعود الإلهية العظيمة للمحسنين. إنّهم يتصورون أنّ مساعدة الآخرين وتقديم العون إليهم يجرّ إليهم التعاسة والشقاء.
وأمّا الحديث عن الخزي في عذاب هؤلاء ، فلأن الجزاء المناسب للتكبر والإستكبار هو العذاب المهين.
ثم إنّ الله سبحانه يذكر صفة اخرى من صفات المتكبرين إذ يقول : (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْأَخِرِ) إنّهم ينفقون أموالهم لا في سبيل الله وكسب رضاه ، بل مراءاة الناس لكسب السمعة وجلب الشهرة والجاه ، وبالتالي ليس هدفهم من الإنفاق هو خدمة الناس وكسب رضا الله سبحانه.
إنّ هؤلاء اختاروا الشيطان رفيقاً وقريناً لهم : (وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا). إنّه لن يكون له مصير أفضل من مصير الشيطان ، لأنّ منطقهم هو منطق الشيطان ، وسلوكهم سلوكه سواء بسواء ، إنّه هو الذي يقول لهم : إنّ الإنفاق بإخلاص يوجب الفقر (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) (١).
من هذه الآية يستفاد أنّ علاقة «المتكبرين» ب «الشيطان والأعمال الشيطانية» علاقة مستمرة ودائمة لا مؤقتة ولا مرحلية.
وهنا يقول سبحانه وكأنّه يتأسّف على أحوال هذه الطائفة من الناس : (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْءَامَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ). أي شيء عليهم لو تركوا هذا السلوك وعادوا إلى جادة الصواب وأنفقوا مما رزقهم الله من الخير والنعمة في سبيل الله ، بإخلاص لا
__________________
(١) سورة البقرة / ٢٦٨.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
