«حُرُمات» : جمع «حُرمة» وتعني الشيء الذي يجب حفظه واحترامه ، وقيل للحرم : حرم لأنّه مكان محترم ولا يجوز هتكه ، ويقال الأعمال الممنوعة والقبيحة حرام لهذا السبب ، كي لا تخامر أذهان المشركين فكرة انتهاك حرمة هذه الشهور.
ثم تشرّع الآية حكماً عاماً يشمل ما نحن فيه وتقول : (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).
فالإسلام ـ وخلافاً للمسيحية الحالية التي تقول (إذا لطمك شخص على خدّك الأيمن فأدِر له الأيسر) (١) ـ لا يقول بمثل هذا الحكم المنحرف الذي يبعث على جرأة المعتدي وتطاول الظالم ، وحتّى المسيحيين في هذا الزمان لا يلتزمون مطلقاً بهذا الحكم أيضاً ، ويردون على كل عدوان مهما كان قليلاً بعدوان أشد ، وهذا أيضاً مخالف لدستور الإسلام في الرّد ، فالإسلام يقول : يجب التصدّي للظالم والمعتدي ، ويُعطي الحق للمظلوم والمُعتدى عليه المقابلة بالمثل ، فالاستسلام في منطق الإسلام يعني الموت ، والمقاومة والتصدّي هي الحياة.
وقوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) إشارة إلى أنّ الله لا يهمل المتقي في خِضمّ المشكلات ، بل يعينه ويرعاه.
(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (١٩٥)
هذه الآية تكمّل ما مرّ من آيات الجهاد فكما أنّ الجهاد بحاجة إلى الرجال المخلصين والمجرّبين كذلك بحاجة إلى المال والثروة أي بحاجة إلى الاستعداد البدني والمعنوي والمعدّات الحربية ، صحيح أنّ العامل الحاسم في تقرير مصير الحرب هو الرجال بالدرجة الاولى ، ولكن الجندي بحاجة إلى أدوات الحرب (أعم من السلاح والأدوات ووسائل النقل والغذاء والوسائل الصحية) فإنّه بدونها لا يمكنه أن يفعل شيئاً. من هنا أوجب الإسلام تأمين وسائل الجهاد مع الأعداء ، ومن ذلك ما ورد في الآية أعلاه حيث تأمر بصراحة : (وَأَنفِقُوا فِى سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).
وهذا المعنى يتأكد خاصة في عصر نزول هذه الآيات حيث كان المسلمون في شوق شديد إلى الجهاد كما يحدّثنا القرآن عن اولئك الّذين أتوا النبي يطلبون منه السلاح ليشاركوا
__________________
(١) انجيل متّى ، الباب ٥ ، الرقم ٣٩ ـ ٤٢.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
