في ساحة الجهاد وإذ لم يجدوا ذلك عادوا مهمومين محزونين (تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) (١).
فعبارة (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) بالرغم من أنّها واردة في ترك الإنفاق في الجهاد الإسلامي ، ولكن مفهومها واسع يشمل موارد اخرى كثيرة ، منها أنّ الإنسان ليس له الحق في اتخاذ الطرق الخطرة للسفر (سواء من الناحية الأمنية أو بسبب العوامل الجوية أو غير ذلك) دون أن يتخذ لنفسه الاحتياطات اللازمة لذلك ، كما لا يجوز له تناول الغذاء الذي يحتمل قوياً أن يكون مسموماً وحتى أن يرد ميدان القتال والجهاد دون تخطيط مدروس ، ففي جميع هذه الموارد الإنسان مسؤول عن نفسه فيما لو ألقى بها في الخطر بدون عذر مقبول.
وتصور بعض الجهلاء من أنّ كل ألوان الجهاد الابتدائي هو إلقاء النفس في التهلكة وحتى أنّهم أحياناً يعتبرون قيام سيد الشهداء الإمام الحسين عليهالسلام في كربلاء مصداق لهذه الآية ، وهذا ناشىء من الجهل المطبق وعدم درك مفهوم الآية الشريفة ، لأنّ إلقاء النفس بالتهلكة يتعلق بالموارد التي لا يكون فيها الهدف أثمن من النفس وإلّا فلابد من التضحية بالنفس حفاظاً على ذلك الهدف المقدس كما صنع الإمام الحسين عليهالسلام وجميع الشهداء في سبيل الله كذلك.
وفي آخر الآية أمر بالإحسان ويقول : (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
أمّا ما هو المراد بالإحسان هنا؟ فهناك عدة احتمالات في كلمات المفسرين ، منها : أنّ المراد هو حسن الظن بالله (فلا تظنّوا أنّ إنفاقكم هذا يؤدي إلى الاختلال في معاشكم) ، والآخر هو الاقتصاد والاعتدال في مسألة الإنفاق ، واحتمال ثالث هو دمج الإنفاق مع حسن الخلق للمحتاجين بحيث يتزامن مع البشاشة وإظهار المحبة وتجنّب أي لون من ألوان المنة والأذى للشخص المحتاج ، ولا مانع من أن يكون المراد في مفهوم الآية جميع هذه المعاني الثلاث.
الإنفاق مانع عن انهيار المجتمع : إنّ هذه الآية بالرغم من أنّها وردت في ذيل آيات الجهاد ، ولكنها تبين حقيقة كلية واجتماعية ، وهي أنّ الإنفاق بشكل عام سبب لنزاهة المجتمع من المفاسد المدمّرة ، لأنّه حينما يترك أفراد المجتمع الإنفاق وتتراكم الثروة في أحد أقطاب
__________________
(١) سورة التوبة / ٩٢.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
