الدنيا دار اختبار إلهي : بعد ذكر مسألة الشهادة في سبيل الله ، والحياة الخالدة للشهداء ، تعرضت هذه الآية للاختبار الإلهي العام ، ولمظاهره المختلفة ، باعتباره سنّة كونية لا تقبل التغيير (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْضٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ).
ولما كان الإنتصار في هذه الاختبارات ، لا يتحقق إلّافي ظل الثبات والمقاومة ، قالت الآية بعد ذلك : (وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ). فالصابرون هم الذين يستطيعون أن يخرجوا منتصرين من هذه الامتحانات ، لا غيرهم.
الآية التالية تعرّف الصابرين وتقول : (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).
الإقرار التام بالعبودية المطلقة لله ، يعلمنا أن لا نحزن على ما فاتنا ، لأنّه سبحانه مالكنا ومالك جميع ما لدينا من مواهب ، إن شاء منحنا إيّاها ، وإن استوجبت المصلحة أخذها منّا ، وفي المنحة والمحنة مصلحة لنا.
والإلتفات المستمر إلى حقيقة عودتنا إلى الله سبحانه ، يشعرنا بزوال هذه الحياة ، وبأنّ نقص المواهب المادية ووفورها عرض زائل ، ووسيلة لإرتقاء الإنسان على سلم تكامله ، فاستشعار العبودية والعودة في عبارة (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) له الأثر الكبير في تعميق روح المقاومة والاستقامة والصبر في النفس.
وآخر آية في بحثنا هذا ، تتحدث عن الألطاف الإلهيّة الكبرى ، التي تشمل الصابرين الصامدين المتخرجين بنجاح من هذه الامتحانات الإلهيّة : (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ).
هذه الصلوات والرحمة تجعل هؤلاء على بصيرة من أمرهم ، في مسيرتهم الحياتية المحفوفة بالمزالق والأخطار ، لذلك تقول الآية : (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).
بحوث
١ ـ لماذا الإختبار الإلهي؟ أوّل ما يتبادر للذهن في هذا المجال هو سبب هذا الاختبار ، فنحن نختبر الأفراد لنفهم ما نجهله عنهم. فهل أنّ الله سبحانه وتعالى بحاجة إلى مثل هذا الاختبار لعباده ، وهو العالم بكل الخفايا والأسرار؟ وهل هناك شيء خفي عنه حتى يظهر له بهذا الإمتحان؟
والجواب أنّ مفهوم الاختبار الإلهي يختلف عن الاختبار البشري.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
