ولمزيد من التأكيد والحسم ينذر القرآن النبي ويقول : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ).
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (١٤٧)
يعرفون حق المعرفة ولكن ... : استمراراً لحديث القرآن عن تعصب مجموعة من أهل الكتاب ولجاجهم ، تقول الآية : (الَّذِينَءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ).
إنّهم يعرفون النبي صلىاللهعليهوآله واسمه وعلاماته من خلال كتبهم الدينية ، (وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
وهناك طبعاً فريق سارع لاعتناق الإسلام بعد أن رأى هذه الصفات والعلامات في نبيّ الأكرم ، مثل عبدالله بن سلام وهو من علماء اليهود ، ونقل عنه بعد إسلامه قوله «أنا أعلم به منّي بابني».
ثم تؤكد الآية ما سبق أن طرحته بشأن تغيير القبلة ، أو بشأن أحكام الإسلام بشكل عام : (الْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ). أي المترددين.
وبهذه العبارة تثبّت الآية فؤاد النبي ، وتنهاه عن أي ترديد أمام افتراءات الأعداء بشأن تغيير القبلة وغيرها ، وإن جنّد هؤلاء الأعداء كل طاقاتهم للمحاربة.
المخاطب في الآية وإن كان شخص النبي صلىاللهعليهوآله ولكن الهدف هو تربية البشرية كما ذكرنا من قبل ، فمن المؤكد أنّ النبي المتصل بالوحي الإلهي لا يعتريه تردد ، لأنّ الوحي بالنسبة له ذو جانب حسي وعين اليقين.
(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٤٨)
لكل امة قبلة : هذه الآية الكريمة تردّ على الضجة التي أثارها اليهود حول تغيير القبلة وتقول : (وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا).
كان للأنبياء على مرّ التاريخ وجهات عديدة يولّونها ، وليست القبلة كاصول الدين لا تقبل التغيير ، فلا تطيلوا الحديث في أمر القبلة ، وبدل ذلك (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) لأنّ معيار القيمة الوجودية للإنسان هي أعمال البرّ والخير.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
