ذكرت الرواية أنّ هذا الأمر الإلهي نزل في لحظة حساسة ملفتة للأنظار ، حين كان الرسول والمسلمون يؤدون صلاة الظهر. فأخذ جبرائيل بذراع الرسول صلىاللهعليهوآله وأدار وجهه نحو الكعبة. وتذكر الرواية أنّ صفوف المسلمين تغيرت على أثر ذلك ، وترك النساء مكانهن للرجال وبالعكس.
إنّ تغيير القبلة من علامات نبيّ الخاتم المذكورة في الكتب السابقة ، فقد كان أهل الكتاب على علم بأنّ النبي المبعوث «يصلّي إلى القبلتين». لذلك تضيف الآية : (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ).
ثم تقول الآية : (وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ). فهؤلاء الذين يكتمون ما جاء في كتبهم بشأن تغيير قبلة نبيّ الخاتم ، ويستغلون هذه الحادثة لإثارة ضجة بوجه المسلمين ، بدل أن يتخذوها دليلاً على صدق دعوى النبي ، سيلاقون جزاء أعمالهم ، والله ليس بغافل عن أعمالهم ونياتهم.
إنّ ضرورة إتجاه المسلمين شطر المسجدالحرام كان باعثاً على تطور علم الهيئة وعلم الجغرافيا والفلك عند المسلمين بسرعة مدهشة خلال العصور الإسلامية الاولى ، لأنّ معرفة جهة القبلة في مختلف بقاع الأرض ما كانت متيسرة من دون معرفة بهذه العلوم.
(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (١٤٥)
لا يرضون بأي ثمن : مر بنا في تفسير الآية السابقة أنّ تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة لا يمكن أن يثير شبهة حول النبي ، بل إنّه من دلائل صحة دعواه ، فأهل الكتاب قد قرأوا عن صلاة النبي الموعود إلى قبلتين ، لكن تعصبهم منعهم من قبول الحق. لذلك تقول الآية : (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلّءَايَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ).
ثم تضيف الآية : (وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ). أي : إنّ هؤلاء لا يستطيعون مهما افتعلوا من ضجيج ، أن يغيروا مرة اخرى قبلة المسلمين ، فهذه هي القبلة الثابتة النهائية.
ثم تقول الآية : (وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ).
لا النصارى بتابعين قبلة اليهود ، ولا اليهود بتابعين قبلة النصارى.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
