وبعد أن ذمّ القرآن الفئة المذكورة من اليهود والنصارى ، أشاد باولئك الذين آمنوا من أهل الكتاب وانضموا تحت راية الرسالة الخاتمة : (الَّذِينَءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ [أي : بالتفكر والتدبر ثم العمل به] أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ). أي : يؤمنون بالرسول الكريم صلىاللهعليهوآله (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
بحوث
١ ـ سؤال عن عصمة الأنبياء : العبارة القرآنية : «وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهوَاءَهُمْ» قد تثير سؤالاً بشأن عصمة الأنبياء ، فهل يمكن للنبي صلىاللهعليهوآله ـ وهو معصوم ـ أن يتبع أهواء المنحرفين من اليهود والنصارى؟
في الجواب نقول : مثل هذه التعبيرات تكررت في القرآن الكريم ، ولا تتعارض مع مقام عصمة الأنبياء لأنّها ـ من جهة ـ جملة شرطية والجملة الشرطية لا تدل على تحقق الشرط.
ومن جهة اخرى ، عصمة الأنبياء لا تجعل الذنب على الأنبياء محالاً ، بل المعصوم له قدرة على إرتكاب الذنب ، ولم يسلب منه الإختيار ، ومع ذلك لم يتلوث بالذنوب.
من جهة ثالثة ، هذا الخطاب وإن اتّجه إلى النبي صلىاللهعليهوآله ولكن قد يكون موجهاً إلى الناس جميعاً.
٢ ـ للإسترضاء حدود : صحيح أنّ الإنسان الرّسالي يجب أن يسعى بأخلاقه إلى جذب الأعداء إلى صفوف الدعوة ، لكن مثل هذا الموقف يجب أن يكون تجاه المخالفين الذين يتحركون في مخالفتهم من موقع الغفلة والمرونة ، أمّا الموقف تجاه المعاندين المتصلبين فينبغي أن يكون غير ذلك ، ولا يجوز إهدار الوقت مع هؤلاء ، بل لابدّ من الإعراض عنهم وتركهم.
٣ ـ حق التلاوة : عبّر القرآن عن الفئة المهتدية من أهل الكتاب بأنّهم «يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ» ، وهو تعبير عميق.
في تفسير الميزان عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهالسلام في تفسير هذه الآية : «يرتّلون آياته ، ويتفقّهون به ، ويعملون بأحكامه ، ويرجون وعده ، ويخافون وعيده ، ويعتبرون بقصصه ، ويأتمرون بأوامره ، وينتهون بنواهيه ، ما هو والله حفظ آياته ودرس حروفه ، وتلاوة سوره ودرس أعشاره وأخماسه (١) ، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده ، وإنّما هو تدبّر آياته والعمل بأحكامه ، قال الله تعالى : (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُواءَايَاتِهِ).
__________________
(١) المقصود من الأعشار والأخماس تقسيمات القرآن.
![مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل [ ج ١ ] مختصر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3859_mukhtasar-alamsal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
