عالمهم؟ بل ربما تتآلفهم الجنسية العامة الإنسانية لاشتراكهم في النوع والمنافع والملاذ واحتياجهم إلى التعاون فيها ، فإذا لم تتحصل أغراضهم من النفع واللّذة تهارشوا وتباغضوا وبطلت الألفة التي كانت بينهم ، لكونها مسببة عن أمر قد تغير إذ النفس منشأ التغير والمنافع الدنيوية لا تبقى بحالها ، واللذات النفسانية سريعة الانقضاء فلا تدوم المحبة عليها بخلاف المحبة الأولى ، فإنها مستندة إلى أمر لا تغير فيه أصلا ، هذا إذا كانت فيما بينهم ، فكيف إذا كانت بينهم وبين من يخالفهم في الأصل والوصف؟ وأنّى يتجانس النور والظلمة؟ ومن أين يتوافق العلو والسفل؟ فبينهما عداوة حقيقية وتخالف ذاتي لا تخفى آثاره كما بيّن الله تعالى بقوله : (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) لامتناع اختفاء الوصف الذاتيّ. قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «ما أضمر أحد شيئا إلا وأظهره الله في فلتات لسانه وصفحات وجهه». (وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) لأنه نار وهذا شرار ، ذاك أصل ، وهذا فرعه (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ) دلائل المحبة والعداوة وأسبابهما (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أي : تفهمون من فحوى الكلام.
[١١٩] (ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩))
(ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ) بمقتضى التوحيد ، إذ الموحد يحب الناس كلهم بالحق للحق ، ويراهم متصلين بنفسه اتصال الأحماء والأقرباء بل اتصال الأجزاء ، فينظر إليهم بنظر الرحمة الإلهية والرأفة الربانية ، ويعطف عليهم مترحما إذ يراهم أهل الرحمة شغلوا بالباطل ، وابتلوا بالقدر ولا يحبونكم بمقتضى الحجاب والبقاء في ظلمة النفس وتضادّ الطبع.
(وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ) أي بجنس الكتاب (كُلِّهِ) لشمول علمكم التوحيدي ، ولا يؤمنون للتقيد بدينهم والاحتجاب بما هم عليه (وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا) لنفاقهم المستجلب لأغراضهم العاجلة (وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) لحقدهم الذاتي وبغضهم الكامن والباقي ظاهر.
[١٢٠ ـ ١٢٤] (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤))
(وَإِنْ تَصْبِرُوا) على ما يبتليكم الله به من الشدائد والمحن والمصائب ، وتثبتوا على مقتضى التوحيد والطاعة (وَتَتَّقُوا) الاستعانة بهم في أموركم والالتجاء إلى ولايتهم
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
