لاحتجابكم بالحجب النفسانية والغواشي الطبيعية ، بعداء عن النور والمقاصد الكلية التي تقبل الشركة وتزال بالاتفاق في مهوى الظلمة (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) بالتحابّ في الله لتتنوّر بنوره (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) في الدين ، أصدقاء في الله (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) هي مهوى الطبيعة الفاسقة ومحل الحرمان والتعذيب (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها) بالتواصل الحقيقيّ بينكم إلى سدرة مقام الروح ، وروح جنة الذات (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ) بتجليات الصفات اللطيفة والإشراقات النورية (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إلى جماله وتجلي ذاته.
[١٠٤ ـ ١٠٥] (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥))
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) أي : ليكن من جملتكم جماعة عالمون ، عاملون ، عارفون ، أولو استقامة في الدين كشيوخ الطريقة (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) فإن من لم يعرف الله لم يعرف الخير ، إذ الخير المطلق هو الكمال المطلق الذي يمكن للإنسان بحسب النوع من معرفة الحق تعالى ، والوصول إليه ، والإضافي ما يتوصل به إلى المطلق أو الكمال المخصوص بكلّ أحد على حسب اقتضاء استعداده الخاص. فالخير المدعوّ إليه ، أما الحق تعالى ، وأما طريق الوصول.
والمعروف كل أمر واجب أو مندوب في الدين ، يتقرّب به إلى الله تعالى ، والمنكر كلّ محرّم أو مكروه يبعد عن الله تعالى ويجعل فاعله عاصيا أو مقصرا مذموما. فمن لم يكن له التوحيد والاستقامة ، لم يكن له مقام الدعوة ولا مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأن غير الموحد ربما يدعو إلى طاعة غير الله وغير المستقيم في الدين وإن كان موحدا ربما أمر بما هو معروف عنده ، منكر في نفس الأمر وربما نهى عما هو منكر عنده ، معروف في نفس الأمر ، كمن بلغ مقام الجمع واحتجب بالحق عن الخلق ، فكثير إما يستحلّ محرّما كبعض المسكرات والتصرّف في أموال الناس ، ويحرّم حلالا بل مندوبا كتواضع الخلق ومكافأة الإحسان وأمثال ذلك (وَأُولئِكَ هُمُ) الأخصاء بالفلاح ، الذين لم يبق لهم حجاب وهم خلفاء الله في أرضه.
(وَلا تَكُونُوا) ناشئين بمقتضى طباعكم غير متابعين لإمام ولا متفقين على كلمة واحدة باتباع مقدم يجمعكم على طريقة واحدة (كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا) واتبعوا الأهواء والبدع (وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ) الحجج العقلية والشرعية الموجبة لاتحاد الوجهة ، واتفاق الكلمة. فإن للناس طبائع وغرائز مختلفة وأهواء متفرّقة ، وعادات وسيرا متفاوتة ، مستفادة من أمزجتهم
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
