اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١) وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣))
(إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً) الاصطفاء أعمّ من المحبة والخلة ، فيشمل الأنبياء كلهم لأنهم خيرة الله وصفوته ، وتتفاضل فيه مراتبهم ، كما قال تعالى : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) (١) ، فأخص المراتب هو المحبة ، وأشار إليه بقوله تعالى : (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) (٢) فلذلك كان أفضلهم حبيب الله محمدا صلىاللهعليهوسلم ثم الخلّة التي هي صفة إبراهيم عليهالسلام ، وأعمها الاصطفاء ، أي : صفة آدم عليهالسلام (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) في الدين والحقيقة ، إذ الولاية قسمان : صورية ومعنوية ، وكل نبيّ يتبع نبيّا آخر في التوحيد والمعرفة ، وما يتعلق بالباطن من أصول الدين فهو ولده كأولاد المشايخ في زماننا هذا. وكما قيل : الآباء ثلاثة : أب ولدك ، وأب رباك ، وأب علمك. فكما أن وجود البدن في الولادة الصورية يتولد في رحم أمّه من نطفة أبيه ، فكذلك وجود القلب في الولادة الحقيقية يظهر في رحم استعداد النفس من نفحة الشيخ والمعلم. وإلى هذه الولادة أشار عيسى عليهالسلام بقوله : «لن يلجّ ملكوت السموات من لم يولد مرتين».
واعلم أنّ الولادة المعنوية أكثرها يتبع الصورية في التناسل ، ولذلك كان الأنبياء في الظاهر أيضا نسلا ، ثم ثمر شجرة واحدة ، فإن عمران بن يصهر أبا موسى وهارون كان من أسباط لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وعمران بن ماثان أبا مريم أم عيسى عليهالسلام كان من أسباط يهود ابن يعقوب ، وكون محمد عليه الصلاة والسلام من أسباط إسماعيل بن إبراهيم مشهور وكذا كون إبراهيم من نوح عليهالسلام. وسببه أنّ الروح في الصفاء والكدورة يناسب المزاج في الاعتدال وعدمه وقت التكوّن ، فلكلّ روح مزاج يناسبه ويخصّه ، إذ الفيض يصل بحسب المناسبة وتفاوت الأرواح في الأزل بحسب صنوفها ومراتبها في القرب والبعد ، فتتفاوت الأمزجة بحسبها في الأبد لتتصل بها. والأبدان المتناسلة الأرواح من بعض متشابهة في الأمزجة على الأكثر ، اللهمّ إلا لأمور عارضة اتفاقية ، فكذلك الأرواح المتصلة بها متقاربة في الرتبة ، متناسبة في الصفة. وهذا مما يقوي أن المهديّ عليهالسلام من نسل محمد صلىاللهعليهوسلم.
(وَاللهُ سَمِيعٌ) حين قالت امرأة عمران : (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ) إلى قولها : (الْعَلِيمُ) بنيتها
__________________
(١) سورة البقرة ، الآية : ٢٥٣.
(٢) نفس الهامش السابق.
![تفسير ابن عربي [ ج ١ ] تفسير ابن عربي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3854_tafsir-ibn-arabi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
