فى السورة. ونجّم كتاب (البرهان) للكرمانى على مبحث المتشابه من أول الكتاب إلى آخره ، حتى تم توزيعه بتمامه على جميع السور.
ويؤخذ على الفيروزآبادى أنه قد سلك فى الاستبطان (١) طريقة تفضى إلى نسبة مادة كتاب (البرهان) إلى مصنف كتاب البصائر ؛ إذ لم ينبه إلى قيامه بهذا الاستبطان كما تقتضيه الأمانة العلمية ، وفى نفس الوقت عمد إلى التخلص بلباقة من كل ما يدل على أن الكرمانى هو صاحب مادة المتشابه فى كتابه البصائر ، فهو دمج متعمد ، القصد منه نسبة جميع مادة كتاب (البرهان) إلى الفيروزآبادى.
وبمراجعة مبحث المتشابه فى كتاب البصائر ـ الجزء الأول منه ـ على كتاب (البرهان) للكرمانى وجدناه صورة منه طبق الأصل دون أى تصرف فى النص. وقد صادفنا حذفا فى مواضع قليلة وهو حذف يرجع إلى سقوط المحذوف من نسخة البرهان التى وقعت فى يد
__________________
(١) ظاهرة استبطان كتب الغير دون ذكر أصحابها من الظواهر المرضية التى تفشّت منذ ظهرت المؤلفات ، ومنذ انحرفت غريزة التملك انحرافا مرضيا ، وتمتد جذور هذه الظاهرة فى العالم الإسلامى إلى مطلع القرن الثالث الهجرى ، واستفحل أمرها كلما كثرت المؤلفات فى كل علم وفن إلى وقتنا هذا. ولا شك أن هذه العملية هى من أسوأ عمليات السرقات العلمية والأدبية ، وقد نبه عليها المتخصصون فى كل فن وفضحوا من قاموا بها ، وما لم يتم التنبيه على ذلك يظل فى طىّ الخفاء حتى يجد من ينبه عليه إن عاجلا أو آجلا.
ويا حبذا لو خصّصت لهذه السرقات مؤلفات فى كل مادة تنبه على أصحابها. وقد تنبهت الدول المتقدمة فى العصر الحديث إلى حماية حق المؤلف ، فأصدرت ميثاقا دوليا بحقوق التأليف تلتزم جميع الدول الموقعة عليه بمراعاته ، كما منعت دور النشر ـ فى الدول الموقعة على هذا الميثاق ـ من الاقتباس من المؤلفات إلا بشروط يجب مراعاتها.
ويا حبذا لو سارت الدول العربية على هذا المنوال حماية للعلم والنهضة العلمية وكتب التراث من السطو عليها. وفيما يلى نذكر بعض العواقب الوخيمة للسطو العلمى والأدبى :
* ظهور طبقات طفيلية من مدعى العلم الذين تخصصوا فى السطو على مجهودات غيرهم ، وكلما أحرزوا نجاحا فى هذا المضمار كلما ازدادوا استرسالا فى كسلهم العقلى إلى درجة تجعلهم لا يطيقون القيام بالواجبات العلمية التى تتطلبها مناصبهم وخاصة فى الجامعات ، وينعكس هذا الضّعف على مستوى المادة نفسها ، وعلى الطلاب ، وعلى التخصصات العلمية فى جميع المواقع والقطاعات.
* فتح الأبواب أمام المحترفين ليدخلوا فى زمرة هم غرباء عنها ، وقد يصلوا إلى مناصب تمكنهم من التحكم فى مصائر العلماء. ولا نتيجة لذلك سوى التخلف العلمى وهجرة العلماء من أوطانهم ، وهى كارثة قومية لا تخفى آثارها.
* ضعف الابتكار ، والاكتفاء بولوج العلم من الأبواب الخلفية عن طريق خسيس رخيص ألا وهو السرقة. ونقترح فى هذا الصدد : إصدار قوائم بالسرقات العلمية ، ليعلم أصحابها أنهم لن يفلتوا من الجزاء الأدبى على الأقل ، فإذا رأى ذلك غيرهم لم يفكر أحد فى كسر هذه الرقابة التى تهدد كل من تحدثه نفسه ببناء مجد علمى رخيص بسلوك هذا المسلك الدنىء.
ويعجبنى ما فعلته مجلة الفيصل السعودية حينما نشر أحد هؤلاء الطفيليين مقالا فى أحد أعدادها سنة ١٤٠٠ ه ، ثم اتضح للمجلة أن المقال مسروق بتمامه ، فما كان منها إلا أن نددت بالكاتب فى العدد التالى وأعلنت أنها ترفض النشر له ولأمثاله.
