وننبه هنا إلى أن علوم الإعجاز (١) هى فى حقيقة الأمر العلوم الأساسية للدعوة ولا غنى عنها فى كل مجال يراد فيه تجلية عظمة كتاب الله تعالى للعالمين ، وما أودع فيه من أسرار الإعجاز ، وهذه العلوم بعضها تفصيلى وبعضها إجمالى بالنسبة لدلائل الإعجاز فهى ضرورية إذن للعرب ولغيرهم. والعجيب أن هذه العلوم تكاد تندثر ، وخلت الجامعات الإسلامية حاليا من إنشاء أقسام متخصصة لرعاية هذه العلوم ، وهى فى الواقع علوم الدعوة الأساسية. خاصة وأن الحاجة إلى هذه العلوم لم تشتد كما حدث فى عصرنا هذا.
ولعل مرجع خلو خطط الدراسة منها يرجع إلى :
* عدم كفاية ما وصلنا من كتب التراث التى تعالج هذه العلوم النادرة.
* مع قلة ما وصلنا منها لم يجد هذا القليل العناية اللازمة لنشره.
* اشتملت المصنفات فى علوم القرآن العظيم على مواد مبعثرة من هذه العلوم وتحتاج إلى جهد ليس بالهين لجمعها ، وهو جهد تنوء بحمله الأجيال ، وهو أشبه بالجهد المطلوب لإنشاء دوائر معارف فى كافة فروع المعرفة التى تحملها المصنفات العربية والإسلامية. ولم يبذل فى هذا الصدد جهد يذكر أو يشكر.
* والأهم من هذا كله عدم وجود وتوافر الراسخين فى هذه العلوم فى العالم الإسلامى مما يجعل القيام بهذه المهمة متعذرا.
* * *
رابعا : منهج الكرمانى فى التصنيف
اتخذ الكرمانى من التصنيف فى المتشابه سلما لبيان دلائل الإعجاز ومدخلا موصلا إلى هذه الغاية الرئيسية التى لم تغب عنه طوال مادة الكتاب. وهذا المسلك قل من يستطيع أن يسلكه من الأئمة الأعلام فضلا عن غيرهم «فإن الأئمة رحمهمالله تعالى قد شرعوا فى تصنيفه واقتصروا على ذكر الآية ونظيرها ولم يشتغلوا بذكر وجوهها وعللها والفرق بين الآية ومثلها وهو المشكل الذى لا يقوم بأعبائه إلا من وفقه الله لأدائه» (٢) وقد برّ الكرمانى بوعده فاشتغل بذكر الوجوه والعلل والفروق التى تطلبت وجوه الاختلاف. ولم يشتغل بالتفسير أو التأويل إلا بقدر اتصال ذلك بتوجيه المتشابه إلى هذه الغاية. والكرمانى يمنع وجود التكرار المطلق. وكل ما وقع من ألفاظ مشتركة بين اثنين أو أكثر فإن اللفظ المشترك فى كل آية يفيد معنى غير الذى يفيده فى الآية الأخرى ، مما يحول دون القول بالتكرار.
هذا وقد بين فى حالات أنواع التشابه الأخرى العلة والحكمة فى تخصيص كل آية بما جاء
__________________
(١) كلما ذكرنا علوم الأعجاز فإنما نقصد فى الحقيقة علوم وجوه الإعجاز.
(٢) مقدمة كتاب البرهان وجه ١ / ب.
