قوله : (مِنْ قَبْلِهِمْ) : متصل ب (كانَ) (١) آخر مضمر. وقوله : (كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) : إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك.
وخصّت هذه السورة بهذا النّسق لما يتصل به من الآيات بعده ، وكله إخبار عما كانوا عليه وهو (وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها).
وفى فاطر : (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا) بزيادة الواو ؛ لأن التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا أشد منهم قوة. وخصت هذه السورة به لقوله : (وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ) الآية (٢).
وفى المؤمن : (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) (٣) فأظهر «كان» العامل فى (مِنْ قَبْلِهِمْ) وزاد «هم» ؛ لأن فى هذه السورة وقعت فى أوائل قصة نوح وهى تتم فى ثلاثين آية ، فكان اللائق به البسط دون الإيجاز (٤). وفى آخر المؤمن : (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ) (٥) فلم يبسط القول لأن أول السورة يدل عليه.
* قوله تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً) (٦) وختم الآية بقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ؛ لأن الفكر يؤدى إلى الوقوف على المعانى التى خلقت (٧) لها من التؤانس والتجانس وسكون كل واحد منهما إلى الآخر.
* قوله تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ) (٨) ، وختم بقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ) ؛ لأن الكل تظلهم السماء وتقلهم الأرض ، وكل واحد منفرد بلطيفة فى صورته يمتاز بها عن غيره حتى لا ترى اثنين فى ألف تتشابه صورتاهما ، ويلتبس كلامهما ، وكذلك انفرد كل واحد بدقيقة فى صورته يتميز بها من بين الأنام فلا ترى اثنين يشتبهان ، وهذا يشترك فى معرفته الناس جميعا ؛ فلهذا قال : (لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ). ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات واختلاف الألوان على البياض والسواد والشّقرة والسّمرة ، فالاشتراك فى معرفتها ظاهر أيضا.
__________________
(١) تقديره : الذين كانوا من قبلهم.
(٢) سورة فاطر من الآية : ٤٤.
(٣) سورة المؤمن الآية : ٢١.
(٤) كذا فى «ح» ٦٣ / أ ، وفى الأصلية : [الوجز].
(٥) سورة المؤمن الآية : ٨٢.
(٦) سورة الروم (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الآية : ٢١.
(٧) كذا فى البصائر ١ / ٣٦٧ ، وفى الأصلية : [خلقن].
(٨) سورة الروم (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ) الآية : ٢٢.
