النبي إلا وقت الإذن ، ولا تدخلوها إلا (غَيْرَ ناظِرِينَ) أي : منتظرين (إِناهُ) أي : إدراكه ونضجه. قال ابن عزيز : إناه : بلوغ وقته ، يقال : أنى يأنى ، وآن يئين : إذا شهى ، بمنزلة : حان يحين. ه. وقال الهروي : أي : غير ناظرين نضجه وبلوغ وقته ، مكسور الهمزة مقصور ، فإذا فتحت مددت ، فقلت : الإناء ، أي غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله.
روى أن النبي صلىاللهعليهوسلم أو لّم على زينب بتمر وسويق ، وذبح شاة ، وأمر أنسا أن يدعوا الناس ، فترادفوا أفواجا ، يأكل كل فوج ، فيخرج ، ثم يدخل فوج ، إلى أن قال : يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه. فقال : «ارفعوا طعامكم» وتفرق الناس ، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون ، فأطالوا ، فقام رسول الله صلىاللهعليهوسلم ليخرجوا ، فطاف بالحجرات ، وسلم عليهن ، ودعون له ، ورجع ، فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون. وكان صلىاللهعليهوسلم شديد الحياء ، فتولى ، فلما رأوه متوليا خرجوا ، فنزلت الآية ، وهى آية الحجاب. قال أنس : فضرب بينى وبينه الحجاب (١).
قال تعالى : (وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا ، فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) : تفرقوا ، (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) أي : ولا تدخلوها حال كونكم مستأنسين لحديث ، أو : غير ناظرين ولا مستأنسين ، فهو منصوب ، أو مجرور ، عطف على «ناظرين» ، نهوا أن يطيلوا الجلوس فى بيته صلىاللهعليهوسلم مستأنسين بعضهم ببعض ، لأجل حديث يتحدثون به ، (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) ؛ من إخراجكم ؛ (وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ) ، يعنى أن إخراجكم حق ، ما ينبغى أن يستحى منه ، ولا يترك بيانه ، حياء ، أو : لا يأمر بالحياء فى الحق ، ولا يشرع ذلك.
(وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَ) أي : نساء النبي صلىاللهعليهوسلم ، بدلالة البيوت عليهن ؛ لأن فيها نساءه ، (مَتاعاً) ؛ عارية أو حاجة ، (فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) ؛ ستر ، (ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ) من خواطر الشيطان وعوارض الفتن. وكانت النساء قبل هذه الآية يبرزن للرجال ، وكان عمر رضي الله عنه يحب ضرب الحجاب عليهن ، ويودّ أن ينزل فيه ، وقال : يا رسول الله : يدخل عليك البرّ والفاجر ، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فنزلت (٢). وقيل : إنه عليه الصلاة والسلام ، كان يطعم ومعه بعض أصحابه ، فأصابت يد رجل يد عائشة ، فكره النبىّ صلىاللهعليهوسلم ذلك فنزلت الآية (٣). والله تعالى أعلم.
__________________
(١) أخرجه البخاري فى (التفسير ، سورة الأحزاب ، ح ٤٧٩٣) وفى (الاستئذان) ، ومسلم فى (النكاح ، باب زواج زينب بنت جحش ٢ / ١٠٥٢ ، ح ٩٥ من كتاب النكاح) من حديث سيدنا أنس رضي الله عنه.
(٢) أخرجه البخاري فى (التفسير ، باب : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، ح ٤٤٨٣). عن أنس رضي الله عنه.
(٣) أخرجه الطبري فى التفسير (٢٢ / ٣٩) والواحدي فى أسباب النزول (ص ٣٧٤) عن مجاهد ، مرسلا.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٤ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3805_albahr-almadid-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
