يقول الحق جل جلاله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ) أي : تزوجتموهن. والنكاح فى الأصل : الوطء ، من : تناكحت الأشجار : إذا التصق بعضها ببعض. وتسمية العقد نكاحا مجاز ؛ لملابسته له ، من حيث إنه طريق إليه ، كتسمية الخمر إثما ؛ لأنها سببه ، ولم يرد لفظ النكاح فى كتاب الله إلا فى معنى العقد ؛ لأنه لو استعمل فى الوطء لكان تصريحا به ، ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة ، والمماسة ، والقربان ، والتغشى ، والإتيان ، تعليما للأدب والحياء. وفى تخصيص المؤمنات ، مع أن الكتابيات تساوى المؤمنات فى هذا الحكم ، إشارة إلى أن الأولى للمؤمن أن ينكح المؤمنة ، تخييرا للنطفة. والمعنى : إذا تزوجتم النساء (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ) ؛ تجامعوهن. والخلوة الصحيحة كالمسّ ، (فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها) أي : تستوفون عددها ، وتعدونها عليهن ، من : عددته الدراهم فاعتدها ، كقوله : كلته الطعام فاكتاله. والإسناد إلى الرجال للدلالة على أن العدّة تجب على النساء لحق الأزواج ، كما يشعر به ، (فَما لَكُمْ). والإتيان ب «ثم» إزاحة ما عسى أن يتوهم أن تراخى الطلاق [ربما يمكن الإصابة فتجب العدة] (١).
(فَمَتِّعُوهُنَ) بشىء من المال ، وهذا فى المفوض لها قبل الفرض ، وأما المفروض لها ، أو المسمى صداقها ، فتأخذ نصف مهرها ، ولا متعة لها على المشهور. (وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً) أي : لا تمسكوهنّ ضرارا ، وأخرجوهن من بيوتكم ؛ إذ لا عدة لكم عليهن. قال القشيري : (سراحا جميلا) لا تذكروهن بعد الفراق إلا بخير ، ولا تستردوا منهن شيئا ، ولا تجمعوا عليهن سوء الحال والإضرار من جهة المال. ه.
الإشارة : أيها المريدون ؛ إذا طلقتم نفوسكم ، وغبتم عنها بخمرة قوية ، من قبل أن تمسوهن بمجاهدة ولا مخالفة ، فمتعوها بالشهود ، وسرحوا فكرتها فى ذات المعبود ، سراحا جميلا ، لا حجر فيه ولا حصر ، فمن رزقه الله الغيبة عن نفسه ، حتى غاب عن حظوظها وهواها ، فقد كفاه الله قتالها ، فيدخل الحضرة بلا مشقة ولا تعب ، لكنه نادر ، وعلى تقدير وجوده يكون ناقص التربية ؛ لأنه يكون كمن طويت له الطرق للحج ، فلا يعرفها كما يعرفها من سافر فيها ، وكابد مشقتها ، وعرف منازلها ومياهها ، ووعرها وسهلها ، ومخوفها ومأمونها ، وكلهم أولياء لله تعالى ، لكن طريق التربية أن يكون المريد سلك الطريقة ، وقاس شدائد نفسه ، وعالجها ليعالج غيره بما يعالج نفسه ، على يد شيخ عارف بالطريق. وبالله التوفيق.
__________________
(١) العبارة كما فى البيضاوي : [وفائدة «ثم» إزاحة ما عسى أن يتوهم تراخى الطلاق ريثما تمكن الإصابة ، كما يؤثر فى النسب يؤثر فى العدة].
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٤ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3805_albahr-almadid-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
