ومفوضا إليه الأمر فى الأحوال كلها ، ولعله تعالى لمّا وصفه بخمسة أوصاف ، قابل كلا منها بخطاب مناسب له ، فقابل الشاهد بقوله : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ؛ لأنه يكون شاهدا على أمته ، وهم يكونون شهداء على سائر الأمم ، وهو الفضل الكبير ، وقابل المبشّر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين ؛ لأنه إذا أعرض عنهم أقبل بكليته على المؤمنين ، وهو مناسب للبشارة ، وقابل النذير بدع أذاهم ؛ لأنه إذا ترك أذاهم فى العاجل ، والأذى له ، لا بد له من عقاب عاجل أو آجل ، كانوا منذرين به فى المستقبل. وقابل الداعي إلى الله بأمره بالتوكل عليه ؛ لأن من توكل على الله يسّر عليه كل عسير ، فتسهل الدعوة ، ويتيسر أمرها ، وقابل السراج المنير بالاكتفاء به وكيلا ؛ لأن من أناره الله وجعله برهانا على جميع خلقه كان حقيقا بأن يكتفى به عن جميع خلقه. والله تعالى أعلم.
الإشارة : قال الورتجبي : إنا أرسلناك بالحقيقة شاهدا ، أنت شاهدنا ، شاهدناك وشهدت علينا ، فألبستك أنوار ربوبيتى ، فمن شهدك بالحقيقة فقد شهدنا. قلت : لأن نوره صلىاللهعليهوسلم أول نور ظهر من نور الحق ، فمن شهده شهد الحق. ثم قال : ومن نظر إليك فقد نظر إلينا. قال صلىاللهعليهوسلم : «من عرفنى فقد عرف الحق ، ومن رآنى فقد رأى الحق». ثم قال : (وَسِراجاً مُنِيراً) ، أسرجت نورك من نورى ، فتنور بنوري عيون عبادى المؤمنين ، فيأتون إلىّ بنورك. ثم أمره بأن يبشر المؤمنين بأنهم يصلون إلى مشاهدته ، بلا حجاب ولا عتاب. ه.
قال القشيري : يا أيها المشرّف من قبلنا ؛ إنّا أرسلناك شاهدا بوحدانيتنا ، ومبشرا ، تبشر عبادنا بنا ، وتحذّرهم مخالفة أمرنا ، وتعلمهم مواضع الخوف منا ، وداعيا الخلق إلينا بنا ، وسراجا منيرا يستضيئون بك ، وشمسا ينبسط شعاعك على جميع من صدّقك وآمن بك ، ولا يصل إلينا إلا من اتّبعك وخدمك وقدّمك ، (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) بفضلنا عليهم ، ونيلهم طولنا عليهم ، وإحساننا إليهم. ومن لم تؤثر فيهم بركة إيمانهم بك ؛ فلا قدر لهم عندنا. ولا تطع من أعرضنا عنه وأضللناه ، من أهل الكفر والنفاق ، وأهل البدع والشقاق ، وتوكل على الله ؛ بدوام الانقطاع إليه ، وكفى بالله وكيلا. ه.
ثم ذكر حكم المطلقة قبل الدخول ، وأنه لا عدّة عليها. مناسب لقوله : (فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ ...) إلخ ، فقال :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩))
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٤ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3805_albahr-almadid-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
