قلت : «شاهدا» : حال مقدرة ، كمررت برجل معه صقر صائدا به غدا.
يقول الحق جل جلاله : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً) على من بعث إليهم ، على تصديقهم وتكذيبهم ، أي : مقبولا قولك عند الله ، لهم وعليهم ، كما يقبل قول الشاهد العدل فى الحكم ، (وَمُبَشِّراً) للمؤمنين بالنعيم المقيم ، (وَنَذِيراً) للكافرين بالعذاب الأليم ، (وَداعِياً إِلَى اللهِ) ؛ إلى الإقرار بربوبيته ، وتوحيده ، وما يجب الإيمان به ، من صفاته ، ووعده ، ووعيده ، (بِإِذْنِهِ) ؛ بأمره ، أو : بتيسيره. وقيّد به الدعوى إيذانا بأنه أمر صعب ، لا يتأتى إلا بمعونة من جناب قدسه ، (وَسِراجاً مُنِيراً) يستضاء به فى ظلمة الجهالة ، وتقتبس من نوره أنوار الهداية ، قد جلى به الله ظلمات الشرك ، واهتدى به الضالون ، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ، ويهتدى به. وقيل : المراد به القرآن ، فيكون التقدير : وذا سراج. ووصف بالإنارة ؛ لأن من السرج من لا يضىء جدا إذا قلّ سليطه ، ـ أي : زيته ـ ورقّت فتيلته. أو : شاهدا بوحدانيتنا ، ومبشرا برحمتنا ، ونذيرا بنقمتنا ، وداعيا الى عبادتنا ، وسراجا تنير الطريق إلى حضرتنا.
(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً) ؛ ثوابا عظيما ، يربو على ثواب سائر الأمم. وفى الحديث : «مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمن استأجر عمالا إلى آخر اليوم ، فعملت اليهود إلى الظهر ، ثم عجزوا ، ثم عملت النصارى إلى العصر ، فعجزوا ، ثم عملتم إلى آخر النهار ، فاستحققتم أجر الفريقين ، فغضبت اليهود والنصارى ، وقالوا : نحن أكثر عملا ، وأقلّ أجرا ، فقال لهم الله تعالى : هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا : لا ، قال : فذلك فضلى أوتيه من أشاء» (١) وفى رواية : «أنهم عملوا إلى الظهر ، أو العصر ، وقالوا : لا حاجة لنا بأجرك ، فبطل أجر الفريقين». وهذا فى حق من أدرك الإسلام منهم ولم يؤمن. والحديث فى الصحيح. نقلته بالمعنى.
قال البيضاوي : ولعله معطوف على محذوف ، أي : فراقب أمتك وبشّرهم. ه.
(وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ) أي : دم على مخالفتهم ، وهو تهييج وتنفير عن حالهم ، (وَدَعْ أَذاهُمْ) أي : لا تلتفت إليه ، ولا تحتفل بشأنه. وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل ، أي : اجعل إيذائهم إياك فى جانب ، وأنت فى جانب ، ولا تبال بهم ، ولا تخف من إيذائهم. أو : إلى المفعول ، أي : دع إيذاءك إياهم مجازاة ومؤاخذة على كفرهم. ولذلك قيل : إنه منسوخ. (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) فإنه يكفيكهم ، (وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً) ؛ موكولا عليه ،
__________________
(١) أخرجه البخاري فى (الإجارة ، باب الإجارة إلى نصف النهار ، ح ٢٢٦٨) من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٤ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3805_albahr-almadid-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
