لفظ مشترك بين النذر والموت. وصحح ابن عطية أن النحب الذي فى الآية ليس من شرطه الموت. بل معناه : قضى نذره الذي عاهد الله عليه من نصرة الدين ، سواء قتل أو بقي حيّا. بدليل قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ فى طلحة : «هذا ممن قضى نحبه» (١) ه.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) أي : الموت على الشهادة ؛ كعثمان وطلحة ، (وَما بَدَّلُوا) ؛ العهد (تَبْدِيلاً) ؛ ولا غيّروه ، لا المستشهد ، ولا من ينتظر الشهادة. وفيه تعريض بمن بدّل من أهل النفاق ، كقوله تعالى فيما مر : (وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ ...) (٢). (لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ) ؛ بوفائهم بالعهد ، (وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ) إذا لم يتوبوا ، (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) إن تابوا (إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً) بقبول التوبة ، (رَحِيماً) بعفو الحوبة.
الإشارة : قد تقدم ما يتعلق بالاقتداء بالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ والاهتداء بهديه ، وأنه منهاج الأكابر. وقوله تعالى : (وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ ...) الآية. كذلك الأقوياء من هذه الطائفة ، إذا رأوا ما يهولهم ويروعهم زادهم ذلك إيمانا وتسليما ، ويقينا وطمأنينة ، وتحققوا بصحة الطريق ؛ إذ هو منهاج السائرين والأولياء الصادقين ، وسنة الأنبياء والمرسلين. قال تعالى : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (٣) الآية. وتقدم فى إشاراتها ما يتعلق بهذا المعنى.
قال بعضهم : نحن كالنجوم ، كلما اشتدت الظلمة قوّى نورنا. وقال القشيري : كما أن المنافقين اضطربت عقائدهم عند رؤية الأعداء ، فالمؤمنون وأهل اليقين زادوا ثقة ، وعلى الأعداء جرأة ، ولحكم الله استسلاما ، وفى الله قوة. ثم قال : قوله تعالى : (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ....) الآية ، شكر صنيعهم فى المراس ، ومدح يقينهم عند شهود الناس ، وسماهم رجالا ؛ إثباتا لهم بالخصوصية فى الرتبة ، وتمييزا لهم من بين أشكالهم بعلوّ الحالة ، فمنهم من خرج من دنياه على صدقه ، ومنهم من ينتظر حكم الله فى الحياة والممات ، وحقيقة الصدق : حفظ العهد وترك مجاوزة الحدّ. ويقال : استواء السّرّ والجهر. ويقال : هو الثبات عند ما يكون الأمر جدّا.
__________________
(١) أخرجه الترمذي فى (المناقب ، مناقب طلحة بن عبيد الله ٥ / ٦٠٢ ، ح ٣٧٤٠) وابن ماجة فى (المقدمة : باب فى فضائل أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ١ / ٤٦ ، ح ١٢٦). من حديث معاوية رضي الله عنه.
(٢) الآية ١٥ من سورة الأحزاب.
(٣) الآية الثانية من سورة العنكبوت.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٤ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3805_albahr-almadid-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
