يقول الحق جل جلاله : (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ) ؛ محمد صلىاللهعليهوسلم (أُسْوَةٌ) (١) (حَسَنَةٌ) ؛ خصلة حسنة ، من حقها أن يؤتسى بها ؛ كالثبات فى الحرب ، ومقاساة الشدائد ، ومباشرة القتال. أو : فى نفسه قدوة يحسن التأسى به. كما تقول : فى البيضة عشرون رطلا من حديد ، أي : هى فى نفسها عشرون. وفيه لغتان : الضم والكسر ، كالعدوة والعدوة ، والرشوة والرشوة. وهى (لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) أي : يخاف الله ويخاف اليوم الآخر ، أو : لأجل ثواب الله ونعيم اليوم الآخر. و «لمن» : قيل : بدل من ضمير «لكم» ، وفيه ضعف ؛ إذ لا يبدل من ضمير المخاطب إلا ما دل على الإحاطة. وقيل : يتعلق بحسنة ، أي : أسوة حسنة كائنة لمن آمن ، (وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً) أي : فى الخوف والرجاء ، والشدة والرخاء ، فإن المؤتسى بالرسول يكون كذلك.
(وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ) قد أقبلوا عليهم ؛ ليستأصلوهم ، وقد وعدهم الله أن يسلط عليهم المحن ، ويزلزلوا حتى يستغيثوا ويستنصروا بقوله : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ..) إلى قوله : (نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ) (٢) ، فلما جاء الأحزاب واضطربوا ؛ (قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ) ، وعلموا أن الجنة والنصرة قد وجبت لهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال لأصحابه : «إنّ الأحزاب سائرون إليكم ؛ فى آخر تسع ليال ، أو عشر» ، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد ، قالوا ذلك (٣). و (هذا) : إشارة إلى الخطب والبلاء ، أي : هذا الخطب الذي وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، (وَما زادَهُمْ) ، ما رأوا من اجتماع الأحزاب ومجيئهم ، (إِلَّا إِيماناً) بالله وبمواعيده ، (وَتَسْلِيماً) لقضائه وأقداره.
(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ) أي : صدقوا فيما عاهدوه ، فحذف الجار ، وأوصل المفعول إلى «ما» ؛ وذلك أن رجالا من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم ثبتوا ، وقاتلوا حتى يستشهدوا ، وهم : عثمان بن عفان ، وطلحة ، وسعيد بن زيد ، وحمزة ، ومصعب ، وأنس بن النضر ، وغيرهم. (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) ؛ نذره ؛ بأن قاتل حتى استشهد ؛ كحمزة ، ومصعب ، وأنس بن النضر. والنّحب : النذر ، واستعير للموت ؛ لأن كل حى من المحدثات لا بد له أن يموت ، فكأنه نذر لازم فى رقبته ، فإذا مات ؛ فقد قضى نحبه ، أي : نذره. وقال فى الصحاح : النحب : النذر ، ثم قال : والنّحب : المدة والوقت. يقال : قضى فلان نحبه ؛ إذا مات. ه. فهو
__________________
(١) قرأ عاصم (أسوة) بضم الهمزة ، حيث كان ، وهى لغة قيس وتميم ، وقرأ الباقون بكسرها حيث وقعت. وهى لغة الحجاز. انظر الإتحاف (٢ / ٣٧٣).
(٢) الآية ٢١٤ من سورة البقرة.
(٣) قال الحافظ ابن حجر ، فى الكافي الشاف (ص ١٣٣ ، رقم ٢٠٨) : لم أجده.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٤ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3805_albahr-almadid-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
