(٢٦) يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧))
قلت : (كَلِمَةً طَيِّبَةً) : يجوز أن يكون مفعولا بمحذوف ، أي : جعل كلمة ، وتكون الجملة تفسيرية لضرب المثل ، وأن تكون (كَلِمَةً) : بدلا من (مَثَلاً) ، و (شجرة) : صفة لها ، أو خبرا عن مضمر ، أي : هى شجرة.
يقول الحق جل جلاله : (أَلَمْ تَرَ) يا محمد ، أو أيها السامع ، (كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) لأهل «لا إله إلا الله» ، وهم : أهل التوحيد ، الذين رسخ التوحيد فى قلوبهم ، وعبّروا عنه بألسنتهم. فمثال الكلمة الطيبة التي نطقوا بها ، ورسخ معناها فى قلوبهم ؛ (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) : كالنخلة مثلا ، (أَصْلُها ثابِتٌ) فى الأرض ، غائص بعروقه فيها ، (وَفَرْعُها فِي السَّماءِ) ؛ أي : أعلاها. أو يريد الجنس ، أي : فروعها وأفنانها فى السماء ، (تُؤْتِي أُكُلَها) : تعطى ما يؤكل من ثمرها (كُلَّ حِينٍ) وقّته الله لإثمارها ، فقيل : سنة ، وبه قال ابن عباس وجماعة من المفسرين والفقهاء ، واستدلوا بها على من حلف لا يكلم أخاه حينا لزمه سنة ، وعن ابن عباس أيضا والضحاك وغيرهما : (كُلَّ حِينٍ) ؛ أي : غدوة وعشية ، ومتى أريد جناها. قلت : وهذا هو الظاهر.
واختلف فى هذه الشجرة الطيبة ، التي ضرب الله بها المثل لكلمة الإخلاص ، فقيل : غير معينة ، وقيل : النخلة ، وبه قال الجمهور. قال الشطيبى : وقيل : جوزة الهند ، فإنها ثابتة الأصل ، متصلة النفع ، يكون طعمها أولا لبنا ، ثم عسلا ، ثم تنعقد طعاما ، ويصنع بلبنها ما يصنع بلبن المواشي ، ثم يكون كالخل ، ثم كالخمر ، ثم كالزيت ، كل هذا قبل عقد الطعم ، وأما النخلة فهى : ستة أشهر طلع رخص ، وستة أشهر رطب طيب ، فنفعه متصل. وقال أبو حنيفة : إنه ببلاد اليمن نوع من التمر ، يقال له : الباهين ، يطعم السنة كلها. ه. قلت : وقد ذكر ابن مقشب جوزة الهند ، ووصفها كما قال الشطيبى ، وقوله : «فى النخلة ستة أشهر ..» إلخ ، فيه نظر ، وصوابه : ثلاثة ، فإن المعاينة ترده.
والمشبه بهذه الشجرة : المؤمن الكامل الدائم نفعه ، المتصل علمه ، أوقاته معمورة بذكر الله ، أو تذكير عباد الله ، وحركاته وسكناته فى طاعة الله ، حيث أراد بها وجه الله ، فكل حين وساعة يصعد منه عمل إلى الله.
ثم قال تعالى : (وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) ؛ لأن فى ضربها زيادة إيضاح وإفهام وتذكير ؛ فإنه تصوير للمعانى وتقريبها من الحس ، لتفهم سريعا.
ثم ذكر ضدها فقال : (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ) ؛ كلمة الكفر (كَشَجَرَةٍ) كمثل شجرة ؛ (خَبِيثَةٍ) ، كالحنظلة مثلا ، (اجْتُثَّتْ) : استؤصلت ، وأخذت جثتها ، وقلعت بالكلية (مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ) ، أي : قطعت من فوق الأرض ؛ لأن عروقها قريبة منه ، (ما لَها مِنْ قَرارٍ) : استقرار. وهذا فى مقابلة قوله : (أَصْلُها ثابِتٌ). قال البيضاوي :
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
