بك القدم ، حيث لا ينفعك الندم ، فتحاسب نفسك ، وتتدبر فى عواقب أمرك ، وتصحح عقائد توحيدك ، وتعمل جهدك فى طاعة ربك ، وتجتنب مواقع غرور الشيطان ، وتعتمد على فضل الكريم المنان ، وتجعل الموت نصب عينيك ، وما هو مستقبل تجعله حاصلا ، وما هو متوقع تجعله واقعا ؛ فكل ما هو آت قريب ، و (إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (١). وفى الحكم : «لو أشرق نور اليقين فى قلبك لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها ، ولرأيت محاسن الدنيا وكسفة الفناء ظاهرة عليها». وبالله التوفيق.
ثم شفع بأضداد من غرّهم الشيطان ، فقال :
(وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣))
يقول الحق جل جلاله : (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا) ، أي : أدخلهم الله على أيدى الملائكة (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) ، فيدخلونها (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) ؛ بأمره ، فيأذن للملائكة أن تدخلهم حين يقضى بينهم. (تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ) أي : تحييهم الملائكة ، أو الخدام ، حين يتلقونهم يسلمون عليهم ، ويهنؤنهم ، على ما فى الحديث.
الإشارة : فى ذكر هذه الآية بعد خطبة الشيطان تنبيه على وجه الخلاص منه ، حتى لا يكون من أهل خطبته ، وهو تصحيح الإيمان وتقوية مواده ، وهو ما ذكرنا قبل فى مواد طمأنينة أهل الإيمان. وإن أسعده الله بصحبة عارف رقّاه إلى شهود العيان ، فلا يكون للشيطان ولا لغيره عليه سلطان ، لتحقيق عبوديته ، وارتقائه إلى شهود عظمة ربوبيته ؛ قال تعالى : (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) (٢) ، وهم الذين رسخت فى قلوبهم شجرة الإيمان ، وارتفعت أغصانها إلى الرحمن ، الذي أشار إليها بقوله :
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ
__________________
(١) من الآية ١٣٤ من سورة الأنعام.
(٢) من الآية ٤٢ من سورة الحجر.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
