قال ابن عباس : لو لم يقل «وسلاما» لمات إبراهيم من بردها ، ولم تبق يومئذ نار إلا طفئت ، ظنت أن الخطاب توجه لها ، فما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار ، ولم تبق دابة إلا أتت تطفئ عنه النار ، إلا الوزغ (١). فلذلك أمر نبينا صلىاللهعليهوسلم. بقتلها (٢) ، وسماها فويسقا (٣). قال السدى : فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم وأقعدوه على الأرض ، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس. قال كعب : ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه (٤). وروى أنه عليهالسلام مكث فيها سبعة أيام ، وقيل : أربعين ، وقيل : خمسين ، والأول أقرب.
قال إبراهيم عليهالسلام : ما كنت أياما قط أنعم منى من الأيام التي كنت فيها. قال ابن بسار : وبعث الله تعالى ملك الظل فقعد إلى جنبه يؤنسه ، قالوا : وبعث الله بقميص من حرير الجنة. قلت : وقد تقدم ذكره فى سورة يوسف (٥). وأتاه جبريل فقال : إن ربك يقول : أما علمت أن النار لا تضر أحبائى. فنظر نمرود من صرحه ، فأشرف عليه ، فرآه جالسا فى روضة مونقة ، ومعه جليس على أحسن ما يكون من الهيئة ، والنار محيطة به ، فنادى : يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال : نعم ، قال : فاخرج ، فقام يمشى فخرج منها ، فاستقبله نمرود وعظّمه. وقال : من الرجل الذي رأيته معك؟ قال ذلك ملك الظل ، أرسله ربى ليؤنسنى ، فقال : إنى مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيته من قدرته وعزته فيما صنع بك. فقال عليهالسلام : لا يقبل الله منك ما دمت على دينك هذا ، حتى تفارقه إلى دينى ، قال : لا أستطيع ترك ملكى ، ولكن سأذبح له أربعة آلاف بقرة ، فذبحها ، وكف عن إبراهيم (٦) عليهالسلام.
قال شعيب الجبائي : ألقى إبراهيم فى النار وهو ابن ست عشرة سنة ، وذبح إسحاق (٧) وهو ابن سبع سنين ، وولدته سارة وهى بنت تسعين سنة ، ولمّا علمت ما أراد من ذبحه بقيت يومين وماتت فى الثالث (٨) .. ه. وهذا كما ترى من أكبر المعجزات ، فإنّ انقلاب النار هواء طيبا ، وإن لم يكن بدعا من قدرة الله ، لكنه من أكبر الخوارق ، واختلف فى كيفية برودتها ؛ فقيل : إن الله تعالى أزال ما فيها من الحر والإحراق ، وقيل : دفع الله عن جسم إبراهيم حرها وإحراقها مع ترك ذلك فيها ، والله على كل شىء قدير.
__________________
(١) قال فى النهاية : الوزغ : جمع وزغة وهى التي يقال لها : سامّ أبرص ، انظر النهاية (وزغ) ، والأثر أخرجه الطبري.
(٢) جاء فيما أخرجه البخاري فى (أحاديث الأنبياء ، باب قول الله تعالى : (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً) ، ومسلم فى (السلام ، باب استحباب قتل الوزغ) عن أم شريك.
(٣) أخرجه مسلم فى الموضع السابق ذكره ، عن السيدة عائشة وابن عامر بن سعد عن أبيه.
(٤) أخرجه الطبري (١٧ / ٤٤) عن كعب.
(٥) راجع تفسير الآية ٩٦ من سورة يوسف.
(٦) ذكره البغوي فى تفسيره (٥ / ٣٢٩) وصاحب زاد المسير (٥ / ٣٦٧).
(٧) راجع : التعليق على تفسير الآية ١٢٤ من سورة البقرة.
(٨) أخرجه الطبري (١٧ / ٤٥).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
