ثم ذكر قصة تحريقه وإنجائه ، فقال :
(قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠))
يقول الحق جل جلاله : (قالُوا حَرِّقُوهُ) أي : قال بعضهم لبعض ، لمّا عجزوا عن المحاججة ، وضاقت عليهم الحيل ، وعييت بهم العلل ، وهذا ديدن المبطل المحجوج ، إذا قرعت شبهه بالحجة القاطعة وافتضح ، لم يبق له حينئذ إلا المناصبة والمعاداة ، فناصبوا إبراهيم عليهالسلام ، وقالوا حرّقوه بالنار ؛ لأنه أشد العقوبات ، (وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ) بالانتقام لها (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) للنصر ، أي : إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا ، فاختاروا له أهول المعاقبات ، وهو الإحراق ، وإلّا فقد فرطتم فى نصرتها ، والذي أشار بالإحراق نمرود ، أو رجل من أكراد فارس ، اسمه «هيزن» ، وقيل : «هدير» ، خسفت به الأرض ، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة (١).
روى أنهم ، لما أجمعوا على حرقه عليهالسلام ، بنوا له حظيرة بكوثى ـ قرية من قرى الأنباط بالعراق ـ فجمعوا صلاب الحطب من أصناف الخشب ، مدة أربعين يوما ، وقيل : شهرا ، حتى إن المرأة تنذر : لئن أصابت حاجتها لتحطبنّ فى نار إبراهيم. ثم أوقدوا نارا عظيمة ، لا يكاد يحوم حولها أحد ، حتى إن كانت الطير لتمر بها ، وهى فى أقصى الجو فتحترق من شدة وهجها ، ولم يقدر أحد أن يقربها ، فلم يعلموا كيف يلقونه عليهالسلام فيها ، فأتى إبليس وعلمهم علم المنجنيق ، فعملوه. وقيل : صنعه لهم رجل من الأكراد ، فخسف الله تعالى به فى الأرض مثل الآخر ، ثم عمدوا إلى إبراهيم عليهالسلام ، فوضعوه فيه مغلولا مقيدا مجردا ، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة : يا ربنا ، إبراهيم ، ليس فى الأرض أحد يعبدك غيره ، يحرق فيك ، فأذن لنا فى نصرته ، فقال لهم : إن استغاث بواحد منكم فأغيثوه ، فرموا به فيها من مكان شاسع ، فقال له جبريل عليهالسلام ، وهو فى الهواء : ألك حاجة؟ فقال : أما إليك فلا. قال : فسل ربك. فقال : حسبى من سؤالى علمه بحالي (٢) ، فرفع همته عن الخلق ، واكتفى بالواحد الحق ، فجعل الله الخطيرة روضة. وهذا معنى قوله : (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) أي : كونى ذات برد وسلام ، أي : ابردى بردا غير ضار.
__________________
(١) أخرجه الطبري (١٧ / ٤٣) عن شعيب الجبائي.
(٢) انظر تفسير الطبري (١٧ / ٤٤) والبغوي (٥ / ٣٢٧) وابن كثير (٣ / ١٨٤). والوارد فى ابن كثير : «أما إليك : فلا ، وأما إلى الله ، فبلى».
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
