(كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (١) أي : كالجبل العظيم من الماء ، وكانوا يمرون به ، وكلهم بنو أعمام ، لا يرى بعضهم بعضا ، فقالوا : قد غرق إخواننا ، فأوحى الله إلى أطواد الماء : أن اشتبكى ، وصارت شبابك ، يرى بعضهم بعضا ، ويسمع بعضهم كلام بعض ، فلما أتى فرعون الساحل ، وجد البحر منفلقا ، فقال : سحر موسى البحر ، فقالوا : إن كنت ربا فادخل كما دخل ، فجاء جبريل على رمكة وديق ، أي : تحب الفحل ، وكان فرعون على حصان ، فاقتحم جبريل بالرمكة الماء ، فلم يتمالك حصان فرعون ، فاقتحم البحر على إثره ، ودخل القبط كلهم ، فلما لجّجوا ، أوحى الله تعالى إلى البحر أن أغرقهم ، فعلاهم البحر وأغرقهم.
فعبر موسى عليهالسلام بمن معه من الأسباط سالمين ، وأما فرعون وجنوده (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ) أي : علاهم منه وغمرهم من الأمر الهائل ، الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه. قال القشيري : فغرقوا بجملتهم ، وآمن فرعون لما ظهر له البأس ، فلم ينفعه إقراره ، وكان ينفعه لو لم يكن إصراره ، وقد أدركته الشقاوة التي سبقت له من التقدير. ه. وقال الكواشي : (وغشيهم) من الغضب والغرق ، وغير ذلك ، مالا يعلم حقيقته إلا الله تعالى. ه. فإبهام الصلة ؛ للتهويل والتفخيم ، وقيل : (غشيهم من اليم) ما سمعت قصته فى غير هذه السورة ، وليس بشىء ؛ فإن مدار الإبهام على التهويل والتفخيم ، بحيث يخرج عن حدود الفهم والوصف ، لا سماع قصته فقط.
(وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ) أي : أتلفهم وسلك بهم مسلكا أدى بهم إلى الخيبة والخسران ، حيث ماتوا على الكفر ، وأوصلهم إلى العذاب الهائل الدنيوي ، المتصل بالعذاب الدائم الأخرى ، (وَما هَدى) أي : ما أرشدهم قط إلى طريق توصلهم إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية. وهو تقرير لإضلاله وتأكيد له ، وفيه نوع تهكم به فى قوله : (وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ) (٢) ، فإن نفى الهداية عن شخص مشعر بكونه ممن يتصور منه الهداية فى الجملة ، وذلك إنما يتصور فى حقه بطريق التهكم. والله تعالى أعلم.
الإشارة : انظر عاقبة من شدّ يده على دينه ، وصبر على شدائد زمانه ، كيف خرقت له العوائد ، وجاءه العز والنصر فأنساه تلك الشدائد ، وأهلك الله من كان يؤذيه من الأعداء ، وسلك به سبيل النجاة والهدى ، وهذه عادة الله مع أوليائه ، يشدد عليهم أولا بضروب البلايا والمحن ، ثم يعقبهم العز والنصر وضروب المنن ، ولذلك ذكّر الله بنى إسرائيل بما أنعم عليهم بعد البحر ، فقال :
(يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢))
__________________
(١) من الآية ٦٣ من سورة الشعراء.
(٢) من الآية ٢٩ من سورة غافر.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
