ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به ، فقال لهما فرعون : (فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى)؟ لم يضف الرب إلى نفسه ؛ لغاية عتوه وطغيانه ، بل أضافه إليهما ، وفى الشعراء : (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) (١) ، والجمع بينهما تعدد الدعوة ، ففى كل مرة حكى لنا ما قال. وتخصيص النداء بموسى ، مع توجيه الخطاب إليهما ؛ لأنه الأصل فى الرسالة ، وهارون وزيره.
(قالَ) موسى عليهالسلام مجيبا له : (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) أي : ربنا هو الذي أعطى كل شىء خلقه ، أي : مخلوقاته ؛ مما يحتاجون إليه ويرتفقون به فى قوام أبدانهم ومعايشهم ، أو اعطى كل شىء خلقته وصورته التي يختص بها ، ولم يجعل خلق الإنسان فى خلق البهائم ، ولا خلق البهائم فى خلق الإنسان. ولكن خلق كل شىء فقدره تقديرا. أو أعطى كل شىء فعله وتصرفه ، فاليد للبطش ، والرجل للمشى ، واللسان للنطق ، والعين للنظر ، والأذن للسمع ، أو أعطى كل شىء شكله من جنسه ، للإنسان زوجة ، وللبعير ناقة ، وللفرس رمكة ، وللحمار أتانا. (ثُمَّ هَدى) إلى طريق الانتفاع والارتقاء ، بما أعطاه وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله ، فألهمه الرضاع والأكل والشرب والجماع ، وطلب الرعي وتوقى المهالك ، وكيف يأتى الذكر الأنثى.
ولمّا كان الخلق ـ الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام ـ مقدما على الهداية ، التي هى عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة فى تلك الأجسام ، عطف بثم المفيدة للتراخى. ولقد ساق عليهالسلام جوابه على نمط رائق ، وأسلوب لائق ؛ حيث بيّن أنه تعالى عالم قادر بالذات ، خالق لجميع الكائنات ، منعم عليهم بجميع النعم السابغات ، هاد لهم إلى طرق المرتفقات.
(قالَ) فرعون : (فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى) أي : ما حالها بعد الموت ، وما فعل الله بها؟ فقال له موسى : هذا غيب لا يعلمه إلا الله ، وهو معنى قوله : (عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) ، أو ما حال القرون الماضية والأمم الخالية ، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟ فأجابه عليهالسلام بأن العلم بأحوالهم مفصلة مما لا ملامسة له بمنصب الرسالة ، وإنما علمها عند الله عزوجل. وكأنّ عدو الله ، لما خاف أن يبهت ، ويفتضح ، ويظهر للناس حجة موسى عليهالسلام ، أراد أن يصرفه عليهالسلام إلى مالا يعنى ، من ذكر الحكايات التي لا مسيس لها بمنصب الرسالة ؛ فلذلك أعرض عنه ، و (قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) ، وهذا أحسن من الأول ؛ لأنه لو كان سؤاله عن أحوالها بعد الموت لأمكن أن يقول له : من اتبع الهدى منهم فقد سلم وتنعم ، ومن تولى فقد عذب وتألّم ، حسبما نطق به قوله تعالى : (وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى). وقيل : فما بالها لم تبعث كما يزعم موسى ، أو : ما بالها لم تكن على دينك ، أو : ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب ، وكلها بعيدة.
__________________
(١) الآية ٢٣ من سورة الشعراء.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
