قلت : (قَرِيباً) : خبر كان ، أو ظرف له ؛ على أن «كان» تامة ، أي : عسى أن يقع فى زمن قريب. و (أَنْ يَكُونَ) : إما : اسم (عَسى) وهى تامة ، أو خبرها ، والاسم مضمر ، أي : عسى أن يكون البعث قريبا ، أو : عسى أن يقع فى زمن قريب. (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ) : منصوب بمحذوف ؛ اذكروا يوم يدعوكم. أو : بدل من «قريب» ؛ على أنه ظرف. انظر أبا السعود. و (بِحَمْدِهِ) : حال من ضمير (فَتَسْتَجِيبُونَ) ، أي : منقادين له ، حامدين له ؛ لما فعل بكم.
يقول الحق جل جلاله : (قُلْ) يا محمد لمن أنكر البعث : (كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ، أَوْ خَلْقاً) آخر (مِمَّا يَكْبُرُ) أي : يعظم (فِي صُدُورِكُمْ) عن قبول الحياة ، فإنكم مبعوثون ومعادون لا محالة ، أي : لو كنتم حجارة أو حديدا ، أو شيئا أكبر عندكم من ذلك ، وأبعد من الحياة ، لقدرنا على بعثكم ؛ إذ القدرة صالحة لكل ممكن. ومعنى الأمر هنا : التقدير ، وليس للتعجيز ، كما قال بعضهم. انظر ابن جزى ، (فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا) إلى الحياة مرة أخرى ، مع ما بيننا وبين الإعادة ، من مثل هذه المباعدة؟ (قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ولم تكونوا شيئا ؛ لأن القادر على البدء قادر على الإعادة ، بل هى أهون ، (فَسَيُنْغِضُونَ) ؛ يحركون (إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ) ؛ تعجبا واستهزاء ، (وَيَقُولُونَ) ؛ استهزاء : (مَتى هُوَ) أي : البعث ، (قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً) ، فإنّ كل ما هو آت قريب.
واذكروا (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ) ؛ يناديكم من القبور على لسان إسرافيل ، (فَتَسْتَجِيبُونَ) أي : فتبعثون من القبور (بِحَمْدِهِ) ؛ بأمره ، أو ملتبسين بحمده ، حامدين له على كمال قدرته ، عند مشاهدة آثارها ، ومعاينة أحكامها ، كما قيل : إنهم يقومون ينفضون التراب عن رؤوسهم ، ويقولون : سبحانك اللهم وبحمدك ، (وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ) ؛ ما لبثتم فى الدنيا (إِلَّا قَلِيلاً) ؛ لما ترون من الهول ، أو تستقصرون مدة لبثكم فى القبور ، كالذى مرّ على قرية. والله تعالى أعلم.
الإشارة : من كان قلبه أقسى من الحجارة والحديد ، واستغرب أن ينقذه الله من شهوته ، وأن يخرجه من وجود جهالته وغفلته ، فقل لهم : كونوا حجارة أو حديدا ، أو خلقا أكبر من ذلك ، فإن الله قادر على أن يحيى قلوبكم بمعرفته ، ويلينها بعد القساوة ، بسبب شرب خمرته. فسيقولون : من يعيدنا إلى هذه الحالة؟ قل : الذي فطركم على توحيده أول مرة ، حين أقررتم بربوبيته ، يوم أخذ الميثاق. فسينغضون إليك رؤوسهم ؛ تعجبا واستغرابا ، ويقولون : متى هو هذا الفتح؟! قل : عسى أن يكون قريبا ؛ يوم يدعوكم إلى حضرته بشوق مقلق ، أو خوف مزعج ، بواسطة شيخ عارف ، أو بغير واسطة ، فتستجيبون بحمده ومنته ، وتظنون إن لبثتم فى أيام الغفلة إلا قليلا ؛ فتلين قلوبكم ، وتطمئن نفوسكم ، وتنشرح صدوركم ، وتحسن أخلاقكم ، فلا تخاطبون العباد إلا بالتي هى أحسن ، كما قال تعالى :
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٣ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3797_albahr-almadid-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
