الْخالِدِينَ وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ). وأكلت حواء أولا ، ثم قالت له : قد أكلت ولم يضرنى ، ثم أكل آدم عليهالسلام من جنس الشجرة ، لا من عينها ، متأولا ، فطار التاج واللباس ، وأخرجهما (مِمَّا كانا فِيهِ) من رغد العيش والهناء ، وأهبطهما إلى الأرض ، للتعب والعناء ، ليكون خليفة على ما سبق به القضاء.
فقال لهم الحق تعالى : (اهْبِطُوا) آدم وحواء وإبليس والحية ، (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ) استقرار وتمتع (إِلى حِينٍ) وفاتكم ، فتقدمون على فيجازى المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، (فَتَلَقَّى) أي أخذ (آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ) وهى : (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) ، (فَتابَ) الحق تعالى عليه واجتباه لحضرته ، فإنه تواب كثير التوبة على عباده ، رحيم بهم ، أرحم من أبيهم وأمهم ، اللهم ارحمنا رحمة تعصمنا بها عن رؤية السّوى ، إنك على كل شىء قدير.
الإشارة : يقول الحق جل جلاله للروح ، إذا كمل تهذيبها ، وتمت تربيتها : اسكن أنت وبشريتك التي تزوجتها ـ قال تعالى : (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) ـ جنة المعارف ، وكلا من ثمار أذواقها وأنهار علومها ، وتبوّءا من قصور ترقّياتها ، أكلا واسعا ما دمتما متحليين بالأدب ، ولا تقربا شجرة المعصية وسوء الأدب (فتكونا من الظالمين) ، فلما سكنت جنة الخلود ، وشرهت إلى الخلود ، أهبطها الله إلى أرض العبودية ، وردها إلى البقاء ؛ لتستحق الخلافة ، وتقوم بحقوق الربوبية ، بسبب ما ارتكبه من المعصية ، وهى الشّره إلى دوام الحرية ، «أكرم بها معصية أورثت الخلافة!» ، فكل ما ينزل بالروح إلى قهرية العبودية ، فهو سبب إلى الترقي لشهود نور الربوبية ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول ، فلما أراد الحق تعالى أن ينزلها إلى أرض العبودية بالسلوك بعد الجذب ، قال لها ولمن يحاربها من الشيطان والهوى والدنيا وسائر الحظوظ : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ، ولكم ـ أيها العارفون بعد جهاد أعدائكم ـ فى أرض العبودية ، استقرار وتمتع بتجليات أنوار الربوبية ، إلى حين الملاقاة الحقيقية. فتلقت الروح من ربها كلمات الإنابة ، وهبّ عليها ، نسيم الهداية ، بما سبق لها من عين العناية ، فتاب عليها ، وقرّبها إلى حضرة الشهود ، ومعاينة طلعة الملك الودود ، إنه تواب رحيم جواد كريم.
ثم كرر الحق تعالى أمرهم بالهبوط ، فقال :
(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩))
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
