وكان شيخ شيخنا رضي الله عنه يقول : (مراقبة الخلق عند أهل الظاهر شىء كبير ، وعدم المراقبة عند الباطن أمر كبير). فإقامة العدل على النفس ؛ ألّا يتركها تميل إلى الرخص والتأويلات ، وإقامته على الوالدين تذكيرهما بالله ودلالتهما على الله بلطف ولين ، وإقامته على الأقربين بنصحهم وإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم ، كانوا أغنياء أو فقراء ، وإقامته على الأجانب كذلك. وبالله التوفيق.
ولما فرغ مما يتعلق بحفظ اللسان ، تكلم على حفظ الإيمان ، وهو الأمر السادس مما تضمنته السورة ، فقال :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦))
يقول الحق جل جلاله : مخاطبا من أسلم من اليهود ـ وهو عبد الله بن سلام وأسد وأسيد ابنا كعب ، وثعلبة بن قيس ، وسلّام بن أخت عبد الله بن سلام ، وسلمة ابن أخيه ويامين ـ قالوا يا رسول الله ، نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزّير ، ونكفر بما سواه من الكتب؟ فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «آمنوا بالله ورسوله محمد صلىاللهعليهوسلم وبكتابه القرآن ، وبكل كتاب قبله» ، فنزلت الآية.
فقال لهم جل جلاله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بمحمد ، بعد أن آمنوا بموسى ؛ (آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ) القرآن (وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) أي : جنس الكتاب ، فتدخل الكتب المتقدمة كلها ، (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي : ومن يكفر بشىء من ذلك (فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) أي : أخطأ خطأ بعيدا لا يكاد يعود إلى الطريق ، فلما نزلت قالوا : يا رسول الله ؛ إنا نؤمن بالجميع ، ولا نفرق بين أحد منهم ، كما فرقت اليهود والنصارى.
وقيل : الخطاب للمنافقين ، أي : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم آمنوا بقلوبكم ، كما آمنتم بألسنتكم ، وقيل : للمؤمنين ، أي : دوموا على إيمانكم ، واثبتوا عليه.
الإشارة : أمر الحق جل جلاله ، أهل الإيمان أن يجددوا إيمانهم ، فيثبتوا على ما هو حاصل ، ويسترشدوا إلى ما ليس بحاصل ، فإن أنوار الإيمان تتزايد وتترادف على القلوب بحسب التصفية والنظر ، وبقدر الطاعة والتقرب ، فلا يزال العبد يتقرب إلى الله ، وأنوار التوجه تتوارد عليه ، حتى تشرق عليه أنوار المواجهة ؛ وهى أنوار الشهود ، فشروق الأنوار على قدر صفاء الأسرار ، وورود الإمداد على حسب الاستعداد ، فبقدر التفرغ من الأغيار ترد على
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
